المدرسة في بلاد سومر

02 September 2026
رسالة من سومر بُعثت بعد أربعة آلاف عام على يد عالم الآثار صموئيل نوح كريمر
رسالة من سومر بُعثت بعد أربعة آلاف عام على يد عالم الآثار صموئيل نوح كريمر
daahnoonabd63@gmail.com
عبد الرزّاق دحنون
تابع الكاتب عبر :

بيتٌ يدخله الإنسان بعيون مغلقة ويخرج منه بعيون مفتوحة، فما هو هذا البيت؟ الجواب: المدرسة!
من أحجية سومرية

كانت المدارس في المدن الأولى في وادي الرافدين والهلال الخصيب مركزاً للابتكار الفكري والنشاط الأدبي والعلمي. أتقن التلاميذ في المدارس اللغتين السومرية والأكادية عبر نسخ النصوص القديمة. وكان مطلوباً منهم أيضاً إتقان مجموعة من المهارات الرياضية التي أسست لاحقاً لعلم المثلثات والهندسة.

وفي رُقم طيني مسماري يعود على الأرجح إلى عام 1790 قبل ميلاد السيد المسيح، ويتألف من قطعتين، تظهر مجموعة من التمارين والأسئلة الهندسية المنقوشة بالخط المسماري وباللغة الأكادية. وكان على التلاميذ الشباب حساب مساحات الدوائر والمربعات والمثلثات المختلفة الأحجام الناجمة عن تقسيم المربعات. وكان هؤلاء التلاميذ من أوائل دارسي الرياضيات والهندسة في مدارس بلاد سومر.

ومن أطرف اكتشافات علماء الآثار في وادي الرافدين رسالة مدونة على ألواح طينية تحكي حال تلميذ في مدرسة سومرية. وتبين هذه الرسالة، التي تعود إلى 4000 سنة، وألفها مدرس مجهول الاسم من أساتذة بيت الألواح، بكلماتها وعباراتها الواضحة والبسيطة، أن الطبيعة الإنسانية باقية كما هي ولم تتبدل كثيراً.

لم تختلف حياة التلميذ السومري عن حياة التلميذ في عصرنا. كان يخشى، إن تأخر عن موعد بدء الدرس، أن يُضرب بالعصا. وكان يستيقظ في الصباح الباكر ويحث أمه على أن تهيئ له طعامه على عجل. وفي المدرسة كان المعلم ومساعده يضربان التلميذ كلما أساء السلوك. ويبدو أن حال المعلم السومري ومعاشه كانا ضئيلين لا يسدان الرمق، كحال زميله المعلم في أيامنا هذه، وكان يسعده أن يحصل على بعض العون من آباء التلاميذ.

تحتوي الرسالة حواراً يبدأ بسؤال التلميذ: إلى أين كنت تذهب منذ أيامك المبكرة؟ كنت أذهب إلى المدرسة. وماذا كنت تفعل؟ يجيب التلميذ إجابة تشغل أكثر من نصف محتويات الرسالة، إذ يقول: كنت أستظهر لوحي وآكل طعامي وأهيئ لوحي الجديد لأكتبه. وبعد العصر أنصرف من المدرسة، أطلع أبي على درسي المكتوب، ثم أستظهر له لوحي فيسر أبي لذلك. وفي اليوم التالي أعود إلى المدرسة متأخراً من أجل رغيفين من الخبز. تأخرت أمي في خبزهما على التنور. أدخل الصف وأنا وجل خافق القلب في حضرة مدرسي، وأحييه باحترام.

وسواء قدم ذلك التلميذ تحيته أم لم يقدمها، فإن يومه كان عصيباً. فقد تلقى الضرب بالعصا بسبب هفوات مثل التكلم والقيام في الصف والخروج. ووبخه المعلم قائلاً إن خط يدك في الاستنساخ رديء وغير مرض، وضربه بالعصا من أجل ذلك.

طفح كيل الصبي، فأشار على أبيه، ناصحاً، بأن خير ما يفعله أن يدعو المدرس إلى بيته ويسترضيه ببعض الهدايا. وربما تعد هذه أول حالة مدونة عن التملق أو "مسح الجوخ" في التاريخ. وقد استمع الأب إلى نصيحة ابنه.

جاء المدرس، وبعد أن دخل البيت، أجلسوه في أشرف مكان. وقام التلميذ على خدمته، فقدم الطعام والشراب. وكسا الأب المعلم حلة جديدة ووضع خاتماً في إصبعه. وطابت نفس المعلم من هذا الإكرام وحسن الضيافة، فأخذ يطمئن التلميذ قائلاً بلغة شعرية: أيها الفتى، لأنك لم تهمل قولي ولم تنبذ إرشادي، عسى أن تبلغ أعلى المراتب في فن الكتابة، وتبلغ الذرى بين طلاب المدرسة. حقاً لقد أحسنت إنجاز أعمال المدرسة وأصبحت طالب علم مجد.

تنتهي الرسالة بهذه الكلمات المشجعة المليئة بالتفاؤل والأمل. ولم يكن الأستاذ الذي كتبها ليحلم بأن قطعته الأدبية التي ألفها عن الحياة المدرسية، كما شاهدها في زمانه، ستبعث حية بعد أربعة آلاف عام على يد عالم الآثار صموئيل نوح كريمر، الذي عرضها في كتابه "من ألواح سومر".

وهذه الرسالة متداولة، فهناك ما لا يقل عن إحدى وعشرين نسخة منها، متفاوتة في حالاتها من حيث الكمال والحفظ. منها ثلاث عشرة نسخة في متحف الجامعة في فيلادلفيا، وسبع نسخ في متحف الشرق القديم في إسطنبول، وواحدة في متحف اللوفر في باريس.