هل يصبح البرهان رئيساً؟
قد يبدو الحديث عن عبد الفتاح البرهان بوصفه رئيس السودان المقبل سابقاً لأوانه. فالبرهان لم يعلن ترشحه للرئاسة، بل سبق أن قال إنه لا ينوي الترشح في انتخابات مستقبلية. لكن السياسة لا تُقرأ دائماً من خلال تصريحات السياسيين، وإنما من خلال مسار الأحداث وموازين القوة والشرعية التي تتشكل حولهم.
من هذه الزاوية، تنتج الحرب السودانية مفارقة سياسية لافتة: قد يخرج البرهان منها ليس فقط قائداً للجيش، وإنما الشخصية الأكثر قدرة على الانتقال من قيادة المؤسسة العسكرية إلى رئاسة الدولة.
صعود البرهان كان نتيجة للحظة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد أعقبت سقوط عمر البشير في أبريل 2019. فقد أصبح رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، ثم رئيساً لمجلس السيادة، ودخل في شراكة مع القوى المدنية كان يفترض أن تقود السودان إلى حكم مدني وانتخابات.
لكن هذه المرحلة حملت تناقضاً سيعود لاحقاً بصورة أكثر عنفاً. فقد كان محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، عضواً في المجلس العسكري الانتقالي، وكان الدعم السريع قد أصبح قوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها. وكان البرهان وحميدتي شريكين في السلطة، بل وقف الرجلان معاً في انقلاب أكتوبر 2021 الذي أنهى الشراكة مع القوى المدنية.
هذه الحقيقة مهمة عند قراءة الحرب الحالية. فليس دقيقاً تقديم البرهان باعتباره كان منذ البداية الخصم المبدئي للدعم السريع. فقد كانت المؤسسة السياسية والعسكرية التي قادها جزءاً من البيئة التي سمحت لهذه القوة بالنمو والتمدد إلى أن أصبحت قادرة على منافسة الجيش نفسه.
ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الدعم السريع أو تبرير أفعاله. فقد أفضت الحرب إلى قتل ونزوح وانتهاكات واسعة، وأصبح وجود قوة عسكرية موازية للدولة أحد أخطر التحديات. ومن الصعب تصور قبول غالبية السودانيين بدولة مقسمة بين سلطات مسلحة متنافسة، بعيداً عن أصحاب المصالح المرتبطة باستمرار الصراع واقتصاد الحرب. لكن رفض الدعم السريع لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى تفويض مفتوح للبرهان.
عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، بدا الجيش في وضع بالغ الصعوبة، بينما انتشر الدعم السريع في أجزاء واسعة من الخرطوم. واضطر البرهان إلى مغادرة مقر القيادة العامة، وانتقل مركز الحكومة إلى بورتسودان. لكن الحرب لم تنته سريعاً. ومع مرور الوقت، بدأ الجيش يستعيد مناطق مهمة، وصولاً إلى استعادة الخرطوم وتعزيز سيطرته في مناطق أخرى. وهنا تغيرت المعادلة السياسية.
الزمن في بعض جوانبه عمل لمصلحة البرهان. كلما طال أمد الحرب، أصبحت طبيعة الصراع وممارسات أطرافه أكثر وضوحاً، وتزايد الخوف من تفكك السودان إلى مناطق نفوذ متنافسة. وفي المقابل، استعاد الجيش موقعه بوصفه المؤسسة التي تقدم نفسها ضامناً لبقاء الدولة ووحدتها. وبهذه الطريقة، انتقل البرهان تدريجياً، لدى مؤيديه، من صورة القائد المرتبط بانقلاب 2021 وتعثر الانتقال الديمقراطي إلى قائد يخوض حرباً دفاعاً عن الدولة ويقودها نحو النصر.
ولا يمكن إنكار أن البرهان أظهر خلال الحرب قدرة سياسية ودبلوماسية. فقد حافظ على علاقات قوية مع مصر، واستمر التواصل مع السعودية، وعزز العلاقة مع تركيا، بما أبقى السلطة التي يقودها داخل دائرة التعامل الإقليمي والدولي رغم الكلفة الهائلة للحرب.
يمكن انتقاد البرهان في طريقة إدارته للحرب، لكن من الصعب إنكار قدرته على الانتظار وإعادة ترتيب الأوراق. ولا توجد أدلة علنية كافية للقول إنه دخل الحرب بخطة هدفها كسب الوقت حتى تتكشف طبيعة الدعم السريع أمام الشعب.
النتيجة السياسية تقترب من ذلك. فمع استمرار الحرب، انكشفت طبيعة الصراع، وبرزت مخاطر تفكيك الدولة، وتراجع الرصيد السياسي للدعم السريع في قطاعات واسعة. وفي الوقت نفسه، استطاع البرهان تحويل الحرب من عبء سياسي إلى مصدر محتمل للشرعية. وهنا يجب التمييز بين الحنكة في إدارة الحرب وبين صواب كل قرار اتخذ أثناءها. فالقدرة على الصمود وإعادة بناء العلاقات الدولية لا تعني أن الحرب أُديرت بلا أخطاء.
قبل الحرب، كان البرهان في نظر كثير من السودانيين جزءاً من المؤسسة العسكرية التي ارتبطت بالسلطة والانقلاب وتعطيل الانتقال الديمقراطي. لكن الحرب أعادت ترتيب الأولويات. فالمواطن الذي فقد منزله أو نزح من الخرطوم أو الجزيرة أو دارفور أصبح يرى مسألة بقاء الدولة بصورة مختلفة. ومع تقدم الجيش، ارتبطت صورة البرهان لدى مؤيديه بالقائد الذي يحافظ على وحدة البلاد ويمنع سقوط الدولة.
وهنا تكتسب جولاته الأخيرة في الولايات والمدن والمناطق أهمية سياسية تتجاوز البعد العسكري. يمكن تفسيرها باعتبارها زيارات ميدانية وتفقداً للقوات والمناطق المستعادة. لكن الحضور المباشر بين المواطنين والظهور في المناطق التي يستعيدها الجيش وبناء علاقة مع القاعدة الشعبية يمكن أن يتحول أيضاً إلى رصيد سياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
واللافت أن البرهان استأنف في أغسطس 2026 نشاطه الرسمي من القصر الجمهوري في الخرطوم بعد أكثر من ثلاثة أعوام، في وقت عادت فيه الحكومة إلى مباشرة أعمالها من العاصمة. لذلك يمكن قراءة هذه التحركات على مستويين: قائد جيش يدير مرحلة ما بعد استعادة الأرض، ورجل دولة يبني صورته أمام الشعب استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
إذا انتهت الحرب والجيش في موقع المنتصر، فسيملك البرهان رواية سياسية قوية: قائد منع انهيار الدولة، واجه قوة مسلحة موازية، وحافظ على وحدة السودان. وفي المقابل، تبدو القوى المدنية أكثر انقساماً، وفقدت الأحزاب السياسية كثيراً من ثقة الشارع. أما الدعم السريع فأضعفته الحرب والانتهاكات ومحاولة بناء سلطة موازية.
في مثل هذه البيئة، يمكن أن يتحول الانتصار العسكري إلى رصيد سياسي ضخم. وهنا لا نحتاج إلى افتراض وجود مؤامرة لتنصيب البرهان. الخطر الأكثر واقعية هو أن تنتج الحرب نفسها ظروفاً تجعل ترشحه وفوزه لاحقاً أمراً يبدو طبيعياً.
الأمر الأكثر دلالة أن البرهان تحدث خلال 2026 عن حوار سياسي لاستكمال الانتقال الديمقراطي ووضع أسس للحكم. يمكن قراءة ذلك إيجابياً، لكنه يجعل السؤال عن شكل النظام المقبل أكثر إلحاحاً: من يحدد قواعد الانتقال وتوقيت الانتخابات، ومن يملك القدرة الأكبر على التأثير في نتائجها؟
لا توجد مشكلة في أن يترشح البرهان للرئاسة. إذا انتهت الحرب وأُجريت انتخابات حرة ونزيهة، وشارك السودانيون، ووجدت مؤسسات مستقلة وقضاء مستقل وإعلام حر ومنافسة سياسية حقيقية، ثم اختار السودانيون البرهان، فيجب احترام خيارهم. المشكلة تبدأ عندما تتحول شرعية الحرب إلى بديل عن الشرعية الديمقراطية.
عبارة "انتصرنا في الحرب، ومن حق قائد الحرب أن يحكم" معادلة خطيرة. فالانتصار العسكري يمكن أن يصنع شعبية، لكنه لا يصنع تفويضاً دستورياً. الجيش يمكن أن يحمي الدولة، لكنه ليس الدولة. وقائد الجيش يمكن أن يصبح رئيساً إذا اختاره الشعب، لكنه لا يصبح رئيساً لمجرد أنه قاد الجيش في الحرب. السودان عانى طويلاً من انتقال السلطة عبر القوة العسكرية، وليس من مصلحة البلاد أن تتحول الحرب الحالية إلى طريق جديد لإنتاج الشرعية من السلاح.
البرهان اليوم في موقع لم يكن متاحاً له قبل سنوات قليلة: من قائد عسكري إلى رئيس لمجلس السيادة ثم قائد حرب أصبحت نتيجتها، بالنسبة إلى أنصاره، مرتبطة بمصير الدولة نفسها. وإذا انتهت الحرب والجيش في موقع المنتصر، فقد يدخل البرهان التاريخ باعتباره الرجل الذي حافظ على وحدة السودان. لكن يمكن أن يتحول هذا الانتصار إلى مأزق إذا اعتُبر انتصار الجيش تفويضاً شخصياً بالاستمرار في الحكم.
السودان لا يحتاج إلى استبدال اسم الحاكم مع بقاء طريقة الحكم نفسها، ولا إلى الاختيار بين البرهان وحميدتي باعتبارهما نموذجين متنافسين للسلطة المسلحة. يحتاج إلى دولة لا تملك فيها قوة عسكرية موازية حقاً دائماً في السياسة، ولا تتحول فيها المؤسسة العسكرية نفسها إلى صاحب السلطة السياسية الدائمة.
إذا أراد البرهان الرئاسة، فليترشح. وإذا اختاره الشعب في انتخابات حقيقية، فليحكم. أما إذا طال الانتقال وأُفرغت الحياة السياسية من مضمونها، ثم جاءت انتخابات لإضفاء الشرعية على واقع سياسي تشكل بالقوة، فلن يكون السودان قد خرج من أزمته. سيكون فقط قد غيّر اسم الحاكم.
بعد كل هذا الدم والدمار، يستحق السودان نهاية مختلفة: دولة يحميها الجيش، خالية من أي قوة عسكرية موازية، لكن يحكمها المدنيون عبر اختيار ديمقراطي حقيقي، لا عبر شرعية صنعتها الحرب.