الخصومة عندما تتحول إلى انتقام

21 August 2026
mv.egypt21@gmail.com
د.محمد محمد السيد عناني
تابع الكاتب عبر :

انتشرت في مجتمعنا ظاهرة سلوكية مؤذية تتجسد في الانتقام والتشفي، والبغي والتمادي فيهما، حتى يصل الأمر أحيانًا إلى تجريد الطرف الآخر من بعض حقوقه الأخلاقية أو الإنسانية، غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الخصومة ذاتها، فالاختلاف بين البشر أمر طبيعي، وإنما الأسوأ هو حالة "ارتياح الضمير" التي يصنعها الإنسان لنفسه وهو يمارس إلحاق الضرر المادي أو النفسي بالآخرين، حين يردد على نفسه عبارات من قبيل: هو من بدأ، أو يستحق ما يحدث له. 

هنا لا يعود الإنسان في حاجة إلى تخدير ضميره مرة أخرى، بل يكفيه أن يقنع نفسه "بأن خصمه يستحق عدائه ليبرر عدوانه عليه، ومن هذه اللحظة يبدأ الحد الفاصل بين "أخذ الحق والانتقام" في التلاشي، ويتحول شعور المظلومية من سبب للمطالبة بالعدل إلى مبررا للتجاوز والبغي والانتقام.

تتعدد صور هذه الظاهرة في واقعنا اليومي، وتختلف أدواتها باختلاف نوع الخصومة، وإن ظل الجوهر واحدا، ففي النزاعات الأسرية قد تُستغل إجراءات التقاضي ليس لاستيفاء حقوق مهضومة، وإنما لحرمان الطرف الآخر من حقوقه. فقد تقوم أم بحرمان أب من أبنائه ورؤيتهم وقد تستعدي أبناءه عليه وتؤلبهم ضده، أو يقوم هو بحرمان أبنائه من ميزات العيش معه من استقرار مادي أو سكن ويعاديهم، و تقليص نفقاتهم أو منعها. 

والمفارقة أن كل طرف قد يفعل ذلك وهو مطمئن إلى منطقه الخاص، متذرعًا بأن الآخر "لا يستحق" ما كفله له القانون أو الدين، وكأن استحقاق الخصم قد صار معيارًا شخصيًا يملكه الطرف الآخر ويمنحه أو يسلبه متى شاء. وما ذلك، في أحيان كثيرة، إلا صورة من صور الأنانية المفرطة، إذ ينشغل الأبوان بإيلام بعضهما، حتى ينسيا حقوق أقرب البشر إليهما: أبنائهما.

وهنا يصبح الأبناء هم الضحية الأوضح في خصومة لم يختاروها، بينما يظل كل طرف يحمّل الآخر وحده مسؤولية ما وصلت إليه الأمور، من غير أن ينتبه إلى أن النزاع قد انتقل من طلب الحق إلى معاقبة الآخر، ومن حماية الأبناء إلى استخدامهم داخل معركة الكبار.

في الخصومات الاجتماعية والشخصية بين العائلات أو الأصدقاء والجيران، وحين تنشق تلك الروابط الوثيقة، قد ينقلب ما كان يوما مودةً وستراً إلى وسيلة للإيذاء، فيُمنع عون كان يُقدم، أو دعم كان يُمنح، بل يصل الأمر إلى كشف سر كان يومًا مصونًا بين الطرفين، وكل ذلك بدافع النكاية، وبمنطق: "لابد أن يندم، ولابد أن يعرف ماذا كنا نقدم له".

 الخلافات السياسية والتقاطعات الفكرية يبلغ الأمر فيها حدا خطيرا، إذ لا يكتفي الإنسان بكف أذى خصمه، أو تقويمه، أو زجره، أو منعه من الإضرار بالآخرين، بل يبدأ في تبرير ما يتعرض له من ظلم وتنكيل و تضييق لمجرد أنه يراه خصمًا عقائديًا أو سياسيًا أو عرقيًا.

وهنا تنتقل الخصومة من رفض الفكرة أو مقاومة السلوك إلى نزع حق الوجود نفسه عن صاحبها؛ فلا يعود المطلوب ردعه أو تقويمه، بل إقصاؤه ومحو أثره من الوجود، وكأن مجرد الاختلاف قد أسقط عنه حقه في العدل والكرامة. وهذه من أخطر لحظات الانحراف الأخلاقي، حين لا يعود الإنسان يطلب دفع الأذى، بل يبدأ في استساغة زوال الآخر من المجال كله لأنه لم يعد، في نظره، مستحقًا للوجود أصلًا

في بيئات العمل والعلاقات الاجتماعية، قد يتكاتف زملاء ضد أخر منهم، حتى وإن لم يعتدِ عليهم مباشرة، فقط لأنهم يرون، وفق تقييمهم الذاتي، أنه نال مكانة أو حقًا لا يستحقه. ومن ثم يسوغون لأنفسهم بث الفتنة والشحناء ضده، أو تعطيل مصالحه، أو السعي إلى إسقاطه وتدميره، تحت شعار يبدو أخلاقيًا في ظاهره: «إعادة العدل، وإسقاط من لا يستحق".

وهكذا تتكرر الصور كل يوم، وتتبدل الوجوه والبيئات، بينما تبقى الآلية النفسية نفسها حاضرة: خصومة، ثم غضب، ثم تبرير، ثم تجاوز، ثم محاولة لإقناع النفس بأن ما جرى لم يكن ظلما، بل كان مجرد رد مستحق. 

يمكن فهم هذه الحالة نفسيًا واجتماعيًا من خلال ما يُعرف علميا باسم (التبرير الأخلاقي)، وما يمكن وصفه أيضا بـ تعطيل الضمير الإرادي، إذ لا يقدم الإنسان غالبًا على البغي وهو يراه بغيًا صريحًا، بل يحتاج أولًا إلى إعادة صياغة وتسمية لآذاه واعتدائه في داخله حتى يصبح مقبولًا أمام ضميره.

وتحت تأثير الجرح النفسي أو الغضب أو الشعور بالمظلومية، يبدأ العقل في تخفيف إشارات الذنب، فيعيد تقديم الانتقام باعتباره (ردًا للحق)، والتشفي باعتباره (جزاءً مستحقًا)، والتجاوز باعتباره (نتيجة طبيعية لما فعله الآخر). ومن هنا لا يختفي الضمير بقدر ما يُعاد توجيهه، حتى يصبح الإنسان قادرًا على ممارسة ما كان سيرفضه أخلاقيًا لو وقع على غير خصمه.

لا تقف آثار هذا السلوك عند حدود المتخاصمين، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه وإلى احترام القانون ووظيفته. فيأتي بنتائج حتمية مثل  تفكيك الترابط الأسري والمجتمعي، إذ تتسع دوائر الخصومة، وتنتقل من أصحابها إلى الأبناء والأقارب والزملاء، فتتسمم بيئة الأسرة والعمل بالمشاحنات والاقتتال، وتتآكل الثقة والمروءة بين الناس.

 كذلك يضعف هذا السلوك المنظومة القانونية والإدارية حين تُستعمل التشريعات واللوائح لا بوصفها أدوات لإقامة العدل، وإنما كأسلحة للإيذاء أو التقاضي الكيدي أو الشكايات الانتقامية؛ فيتحول الحق من وسيلة للحماية إلى أداة للنكاية، وتفقد القاعدة القانونية شيئًا من هيبتها الأخلاقية وتمتلئ بالثغرات والعوار.

في الشريعة الإسلامية جاء النهي حاسما عن أن يتحول طلب الحق إلى بغي، أو أن تصبح الخصومة ذريعة لتجاوز الحدود، قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194]. الآية، وهي تبيح رد الاعتداء بمثله، تختتم بالأمر بالتقوى والخشية من الله ومراقبة أفعالنا، وكأن موضع الاختبار الحقيقي ليس عند وقوع الظلم فقط، بل عند امتلاك القدرة على الرد، حتى لا يتحول المظلوم نفسه إلى باغٍ متجاوز.

إن أولى خطوات التعافي الأخلاقي تبدأ حين يقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق وتجرد، ينقّب في دواخله، وينظر في أمر نفسه بحثًا عن ذلك السلوك الخفي الذي قد يتستر خلف الغضب أو الحسد أو الشعور بالمظلومية، فلا تنخدع بالمبررات البراقة التي تنسجها لك النفس لتريح ضميرك، فالنفس أمارة بالسوء، ومتى تساهل الإنسان مع نزعات التشفي والنكاية، انزلق تدريجيًا من موقع المطالب بالحق إلى مقام الظالم الباغي، دون أن يشعر.