الحرية واللامبالاة الإيجابية

20 August 2026
ramyridha@gmail.com
رامي رضا
تابع الكاتب عبر :

في برلين، ترى أشكالا وألوانا مختلفة من أساليب الحياة. هناك أذواق متنوعة ومتباينة، بل ومتناقضة أحيانا. ترى، مثلا، في وسائل النقل فتاة ترتدي حذاء عسكريا مع فستان، وبجانبها شاب مطلي الأظافر ويرتدي بدلة، وامرأة منقبة لا يظهر منها إلا عيناها، وبجانبها رجل ذو لحية طويلة، وأمامهم فتاة ترتدي سروالا قصيرا و قميصا داخليا.

لا يوجد نمط تقليدي واحد يهيمن على لباس المدينة، ولا توجد موضة برلينية واحدة تفرض نفسها على الجميع. كل شخص يرتدي ما يحلو له، ولذلك ترى أحيانا ما لا يخطر ببالك من أشكال اللباس. وهذا جانب من الحرية، لكن الجانب الآخر من الحرية هو ما لفت نظري أكثر: ردّة فعل الناس، أو بالأحرى غيابها في كثير من الأحيان.

لا يوجد تركيز بالنظرات، ولا تعليقات مسيئة، ولا ذلك الفضول الذي يجعلك تشعر بأنك مراقب وتحت المراقبة. قد تكون هناك نظرة عابرة وتنتهي. لقد اعتاد الناس على مختلف أنواع اللباس وأساليب الحياة، حتى أصبحت الدهشة نفسها أمرا صعبا في برلين.

وهذا لا يعني أن الجميع يعجبهم كل ما يرونه، بالطبع لا. قد يعجب شخص بمظهر ما، بينما يقول آخر في نفسه إنه غير جميل، وقد يرى ثالث أن هذا الأسلوب يناسبه وأن ذاك لا يناسبه. لكن الموضوع ينتهي هنا.

لا أحد يشعر بأن عليه أن يحاكم الآخر بسبب لباسه، أو أن يحول رأيه الشخصي إلى قانون على الجميع. والناس عندما تخرج إلى الشارع بملابسها، لا تنتظر إعجاب الآخرين بها، ولا تخشى انتقاداتهم ،لأن الناس ببساطة غير منشغلين ببعضهم طوال الوقت.

وهنا يظهر معنى آخر للحرية: أن تكون حرا ليس فقط في أفعالك، بل أن تتحرر أيضا من علاقتك المفرطة برأي الآخرين فيك. أنت حر، وهم أحرار، حتى في ألا يهتموا بك. وأن تكون حرا يعني أيضا أن تتحرر من الأحكام المسبقة على الآخرين.

هذه هي اللامبالاة الإيجابية التي أقصدها. ليست اللامبالاة بمعنى ألا يهتم الإنسان بالآخر، وإنما أن يترك الآخر يعيش كما يريد، ما دام لا يعتدي عليه. وهذا يعكس جانبا أعمق من الحرية والعيش المشترك.

الموضوع ليس فقط أن تعيش أديان وطوائف مختلفة إلى جانب بعضها بعضا، بل أن تعيش قوميات وأعراق وطبقات اجتماعية وأنماط حياة مختلفة تماما في المكان نفسه. من أعلى الهرم الاجتماعي إلى المشردين والمدمنين، يمكن أن ترى مختلف أشكال الحياة في مكان واحد.

في ساحة ألكسندر، مثلا، وهي من أشهر ساحات برلين، قد ترى شخصًا يحمل مكبر صوت ويدعو إلى المسيحية، وعلى بعد أمتار منه شخص يعزف على الكمان، وفي زاوية أخرى شخصا مشردا يعيش في خيمته تحت سكة القطار.

وفي المكان نفسه، قد ترى شابا وفتاة يتبادلان القبلات، من دون أن يتجمع الناس حولهما لمراقبتهما. وقد ترى شخصا يمسك القرآن ويقرأ فيه، وشخصًا آخر يحمل بيده زجاجة بيرة ويرقص بمفرده في الساحة. كل شخص يغني على ليلاه.

لا أريد أن تصل الصورة وكأنني أصف مجتمعا مثاليا، في هذا المشهد بالتأكيد أشياء إنسانية وأخرى غير إنسانية، وأشياء إيجابية وأخرى سلبية وبائسة، وكل مجتمع ينظر إليها من خلال قيمه وثقافته ومعاييره. لكن الجميل في هذا الكوكتيل المجتمعي هو التعايش ومساحة الحرية: أن تعيش كما أنت، من دون أن يكون هناك قالب جاهز عليك أن تدخل فيه حتى تكون مقبولا اجتماعيا.أن تختار نمط الحياة الذي يناسب قيمك ومعتقداتك وتعيش وفقا لها، وفي الوقت نفسه تترك الإنسان الذي بجانبك يعيش وفق قيم ومعتقدات قد تكون مناقضة تماما لقيمك ومعتقداتك. قد لا يعجبك أسلوب حياته، وقد لا يعجبه أسلوب حياتك، لكن ليس مطلوبا من أحد أن يصبح نسخة من الآخر.

الجميع يعيشون تحت سقف قانون واحد، من دون تمييز أو مفاضلة. وهنا تصبح الحرية شيئا أكبر من أن تقول: أنا حر، أفعل ما أريد. الحرية أن تفهم أيضا أن الآخر حر، وأن حريتك تتوقف عندما تبدأ بالاعتداء على حرية غيرك.

والأجمل أنك لا تحتاج طوال الوقت إلى الالتفات حولك لتعرف كيف تبدو أمام الناس. لا تحتاج إلى أن تسأل نفسك: ماذا يقولون عني؟ ما رأيهم فيّ؟ هل أعجبهم لباسي؟ هل أعجبهم أسلوبي؟ لأن الناس ببساطة لديهم حياتهم الخاصة، وكل شخص مشغول بنفسه وبالدائرة التي ينتمي إليها. تختار نمط الحياة الذي يناسبك، وتدور أنت ومجموعتك في فلك بعضكم بعضا، بينما يدور الآخرون في أفلاك أخرى.

من فوق عندما تنظر إلى برلين، ترى دوائر كثيرة بألوان مختلفة، تدور بجانب بعضها بعضا من دون أن تتصادم، حتى لو تداخلت أحيانا. ولعل أجمل ما في الحرية ليس أن تجعل الآخرين يشبهونك، بل أن تستطيع أن تكون أنت، وأن تترك الآخر يكون هو. لك دائرتك، وله دائرته، وبين الدوائر قانون واحد يحمي الجميع، ويمنع الاعتداء على الآخر.

أجمل ما في هذا المشهد كله ليس اختلاف الناس فقط، بل تلك اللامبالاة الإيجابية التي تسمح لكل شخص بأن يكون كما هو، من دون أن يشعر طوال الوقت بأن هناك عيونا تراقبه وتنتظر منه أن يكون بالشكل الذي يريده الآخرون. أن تكون كما أنت، وأن يكون الآخر كما هو، وأن يمشي الاثنان في المدينة نفسها بسلام، من دون أن يحتاج أحدهما إلى تغيير الآخر.