لو أنني التقيتك من قبل

13 August 2026
fatema.y.alyusuf@gmail.com
فاطمة اليوسف
تابع الكاتب عبر :

بعض الكلمات والجمل لا يقولها الإنسان إلا بعد أن يمرّ بالكثير من الأشياء، مثل " لو أنني التقيتك من قبل"، لكن ماذا تعني هذه الجملة حقًا؟ هل تعني أننا نندم على الماضي؟ أم أننا نتخيل حياة أخرى كان يمكن أن تكون لنا لو التقينا الشخص ذاته في زمن مختلف؟ أحيانًا، لا يكون الإنسان نادمًا على ما عاشه، بقدر ما يكون حزينًا لأنه أدرك متأخرًا ما كان يستحقه منذ البداية.

حين تلتقي امرأة رجلًا بعد سنوات من التجارب، قد تنظر إليه وتقول في سرّها: لو أنني عرفتك قبل أن أتعلم الخوف، قبل أن أصبح شديدة الحذر، قبل أن أتعلم أن أضع مسافة بيني وبين كل من يقترب مني، ربما كنت أحببتك بطريقة أكثر براءة. وقد ينظر الرجل إلى امرأة جاءت إلى حياته بعد أن أنهكته العلاقات، ويقول: لو أنني التقيتك قبل أن أتعلم الشك، قبل أن أظن أن كل قرب مؤقت، قبل أن أعتاد الرحيل، ربما كنت منحتك قلبًا أكثر اتساعًا.

لكن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها هي أن الإنسان لا يصل إلى الشخص الذي يستحقه إلا بعد أن يصبح قادرًا على تقديره. نحن لا ندخل العلاقات بقلوبنا فقط. ندخلها بكل ما حدث لنا قبلها. بخيباتنا القديمة، بخوفنا، بعقدنا، بذكرياتنا، وبالأشخاص الذين تركوا فينا ندوبًا لم نخبر عنها أحدًا. ولهذا قد تحب امرأة رجلًا جيدًا، لكنها لا تستطيع الوثوق به، لأن رجلًا سابقًا علّمها أن الطمأنينة قد تكون فخًا.

قد يحب رجل امرأة صادقة، لكنه يظل يبحث في كلامها عن خيانة غير موجودة، لأن امرأة سابقة جعلته يعتقد أن الحب يمكن أن يتحول في لحظة إلى غدر. نحن لا نؤذي بعضنا دائمًا بسبب ما نفعله. أحيانًا نؤذي بعضنا بسبب ما فعله بنا أشخاص آخرون. وهنا تكمن المأساة.  أن يأتي الشخص المناسب، فيجد أمامه شخصًا لا يزال يدفع ثمن أخطاء شخص لم يعد موجودًا. لذلك، ربما كان اللقاء بين رجل وامرأة يشبه وصول رسالتين إلى العنوان الصحيح، لكن في وقتين مختلفين. هو يصل إليها بعد أن فقد قدرته على الثقة. وهي تصل إليه بعد أن فقدت قدرتها على الانتظار.

كلاهما يريد الحب، لكن كليهما يخاف منه. كلاهما يريد الاقتراب، لكن كليهما يضع شروطًا للنجاة. ثم يبدأ الصراع الصامت: من سيغامر أولًا؟ من سيصدق الآخر؟ من سيخلع درعه؟ ومن سيعترف بأنه، رغم كل هذا التماسك الظاهري، لا يزال يريد أن يجد شخصًا يستطيع أن يقول له: لا تخف، أنا لن أؤذيك؟ 

لكن العلاقات الناضجة لا تبدأ حين نجد الشخص المثالي. تبدأ حين نتوقف عن مطالبة الآخر بدفع ثمن أشخاص لم يعرفهم. وهذا أصعب ما في الحب. أن تتعلم أن الشخص الذي أمامك ليس الشخص الذي جرحك. أن تنظر إلى عينيه دون أن ترى فيها عيون الماضي. أن تسمعه دون أن تسمع أصوات الخيبات القديمة. وأن تمنحه فرصة عادلة ليكون نفسه.

ربما لهذا السبب أشعر أحيانًا أن عبارة "لو أنني التقيتك من قبل" ليست رومانسية كما تبدو. إنها اعتراف مؤلم بأن التوقيت كان جزءًا من الحكاية. فلو التقينا قبل أن نتغير، ربما لم نكن لنختار بعضنا. ولو التقينا قبل أن ننضج، ربما كنا سنفسد أجمل شيء كان يمكن أن يحدث لنا. ولو التقينا في سنواتنا الأكثر اندفاعًا، ربما أحببنا بعضنا بشدة، ثم خسرنا بعضنا بشدة أكبر.

هناك أشخاص نحتاج أن نلتقيهم بعد أن نتعب، ليس لأن التعب جميل، وإنما لأنه يعلّمنا الفرق بين من يثير قلوبنا ومن يطمئنها. في الشباب، قد ننجذب إلى من يجعلنا نشعر بالكثير. وفي النضج، نبحث عمّن يجعلنا نشعر بالأمان. نحن لا نريد الشخص الذي يجعل نبضنا أسرع فقط، نريد الشخص الذي يجعل الحياة أقل قسوة، نريد من نستطيع أن نصمت أمامه دون أن نشعر بأن الصمت عقوبة، من لا يجعلنا نخوض كل يوم معركة لإثبات أننا جديرون بالحب، من لا يستخدم نقاط ضعفنا ضدنا حين يغضب، من يعرف أن الحب ليس امتلاكًا، وأن الغيرة ليست دليلًا وحيدًا على الاهتمام، وأن السيطرة ليست حماية، وأن الصمت العقابي ليس نضجًا.

مع الوقت، نكتشف أن أجمل العلاقات ليست تلك التي لا تختلف أبدًا، بل تلك التي تعرف كيف تختلف دون أن تهدم بعضها. لهذا، لو أنني التقيتك من قبل، ربما كنت سأحبك بطريقة مختلفة. لكن هل كانت ستكون أفضل؟ لا أعرف. ربما كنت سأخاف منك أكثر. ربما كنت سأشك في نواياك. ربما كنت سأهرب حين تقترب. وربما كنت ستفعل الشيء ذاته.

أما الآن، فقد عرفنا شيئًا لا يعرفه من لم يتألم: أن بعض القلوب لا تحتاج إلى من يشعلها، بل إلى من يعرف كيف يحافظ عليها من الاحتراق. لهذا لا أريد أن ألتقيك من قبل. أريد أن ألتقيك الآن، بعدما عرفت أن الحب ليس أن تجد شخصًا بلا عيوب، وإنما أن تجد شخصًا لا يجعلك تشعر بأن عيوبك سبب كافٍ للتخلي عنك. الآن، بعدما فهمت أن العلاقة الحقيقية ليست مسابقة بين رجل وامرأة لمعرفة من يحتاج الآخر أكثر، بل مساحة آمنة يستطيع فيها الاثنان أن يكونا ضعيفين دون خوف، الآن، بعدما أدركت أن أجمل ما يمكن أن يمنحه رجل لامرأة ليس وعدًا أبديًا لا يستطيع ضمانه، بل صدقًا يوميًا يجعلها لا تحتاج إلى السؤال، وأجمل ما يمكن أن تمنحه امرأة لرجل ليس أن تجعله محور عالمها، بل أن تكون المرأة التي يستطيع أن يعود إليها دون أن يشعر بأنه عاد إلى معركة جديدة.

لو سألتني الحياة: هل تتمنى لو التقيته من قبل؟ سأقول: ربما، لكنني لا أريد أن أغيّر الماضي. لأنني لو غيّرته، ربما كنت سأغيّر نفسي أنا أيضًا. وربما لم أكن لأصل إليك بالشخص الذي أنا عليه اليوم. وربما لم تكن أنت لتصل إليّ بالشخص الذي أصبحت عليه. ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يحدث بين رجل وامرأة ليس أن يقولا: ليتنا التقينا منذ زمن، بل أن ينظرا إلى كل ما مرّ بهما، بكل خساراته وأخطائه وندوبه، ثم يقولا: لو التقينا قبل أن ننضج، ربما كنا سنصبح قصة عابرة لم تكتمل..