هل هزمت الرأسمالية الأميركية نبوءة ماركس؟
عندما نشر كارل ماركس الجزء الأول من "رأس المال" عام 1867، لم يطرح نظرية اقتصادية فحسب، بل رسم مسارًا تاريخيًا اعتقد أنه حتمي. ورأى أن الرأسمالية تحمل في صميمها بذور انهيارها؛ فتركّز الثروة، وتآكل حصة العمال، وتكرار الأزمات، سيؤدي حتمًا إلى سقوط النظام وقيام مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية. وبعد قرن ونصف، يبرز سؤال جوهري: هل دحضت الرأسمالية الأميركية هذه النبوءة، أم أنها نجحت فقط في تأجيل استحقاقها؟.
تبدو الإجابة ظاهريًا واضحة؛ فالولايات المتحدة تتصدر الاقتصاد العالمي، بينما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وتحولت الصين إلى قوة سوقية كبرى تحت مظلة الحزب الشيوعي. غير أن التوقف عند هذا الأمر يخفي مفارقة عميقة؛ فالتاريخ لم يكذّب تشخيص ماركس كليًا، ولم يمنحه نبوءته كاملة.
لو عاد ماركس اليوم لوجد أرقامًا تفوق توقعاته. إذ يستحوذ أغنى 1% من الأميركيين على ما بين 30 و35% من ثروة البلاد، ويملك أغنى 10% أكثر من 70% منها، بينما يقتسم النصف الأفقر (نحو 165 مليون نسمة) أقل من 3% فقط. والأدهى أن ثروة ثلاثة رجال (ماسك، بيزوس، زوكربيرغ) تفوق ما يملكه ذلك النصف مجتمعين.
ولا يقتصر الأمر على أميركا؛ فوفق تقرير أوكسفام (يناير 2026)، يملك أغنى 1% عالميًا ثروة تفوق ما يملكه 95% من البشر، فيما تتزايد ثروات المليارديرات بنحو ملياري دولار يوميًا. وتأكيدًا لتشخيصه حول الاحتكار، تبلغ القيمة السوقية لعمالقة التقنية الأميركيين (آبل، مايكروسوفت، ألفابت، أمازون، إنفيديا) أكثر من 15 تريليون دولار، متجاوزة الناتج المحلي لمعظم الدول.
ودقة ماركس تبرز كذلك في قراءته لدورية الأزمات. فمنذ الكساد الكبير (1929) الذي شهد انهيارًا صناعيًا بنسبة 47% وبطالة بلغت 25%، مرورًا بأزمات السبعينيات، و"الاثنين الأسود" (1987)، والأزمة الآسيوية، وفقاعة الإنترنت، والأزمة المالية (2008)، وصدمة كوفيد، وموجة التضخم (2022-2023)، وتداعيات حرب هرمز (2026)، يؤكد التاريخ تكرار الأزمات الكبرى كل 7 إلى 10 أعوام.
والمفارقة أن نجاة النظام في كل مرة لم تتم بالقوى الخفية للسوق، حسب تعبير ادم سميث، بل بتدخل الدولة والمصارف المركزية عبر التحفيز والتيسير الكمي وإنقاذ المؤسسات. كما أصاب ماركس في توقعه لتراجع حصة العمل؛ فهبطت من نحو 65% في السبعينيات إلى 56-58% اليوم، بينما ارتفعت أرباح رأس المال. وبين 1979 و2024، قفزت الإنتاجية الأميركية بنحو 70%، بينما لم ترتفع الأجور الحقيقية للفئات المتوسطة والدنيا سوى 15% فقط، مما يفسر اتساع الفجوة بين نمو الاقتصاد ودخول العاملين.
عند هذه النقطة تنحرف الوقائع عن توقعات ماركس الثورية. فبينما افترض أن التناقضات ستقود لإفقار مطلق وانفجار طبقي، ارتفع مستوى المعيشة بشكل غير مسبوق، وتحسنت الرعاية الصحية والتعليم، رغم بقاء نحو 37 مليون أميركي تحت خط الفقر. السر يكمن في قدرة الرأسمالية الاستثنائية على التكيف، وهي خاصية قلّل ماركس من شأنها. فبعد الكساد الكبير، قدمت إدارة فرانكلين روزفلت حزمة من البرامج الاقتصادية والاجتماعية أطلق عليه تسمية "الصفقة الجديدة"، التي تتناول الضمان الاجتماعي وحقوق العمال وضبط الأسواق. وبعد الحرب العالمية الثانية، توسعت دولة الرفاه والضرائب التصاعدية. وبعد 2008 وكوفيد، لجأت السلطات لضخ سيولة غير مسبوقة وإنقاذ القطاع المالي. أثبت النظام أنه قادر على تعديل قواعده واستيعاب النقد الموجه إليه دون التخلي عن جوهر السوق.
والأمر الأبرز أن الثورة المتوقعة لم تقع في المراكز الرأسمالية المتقدمة، بل في روسيا الزراعية (1917) والصين الفلاحية (1949). وانتهت التجارب الماركسية إما بالانهيار (الاتحاد السوفياتي) أو بالتحول نحو اقتصاد السوق الموجه (الصين منذ إصلاحات 1978 التي أعادت إحياء منطق "السياسة الاقتصادية الجديدة" للينين عام 1921). وتضم بكين اليوم طبقة مليارديرات ضخمة، مما يثير جدلًا حول ما إذا كانت تطويعًا خلاقًا للماركسية أم خروجًا عمليًا عليها بغطاء سياسي. في المقابل، أثبتت النماذج الهجينة في إسكندنافيا وألمانيا أن مزج حرية السوق بالعدالة الاجتماعية والضرائب التصاعدية هو الطريق الأمثل للاستقرار.
ومع ذلك، فإن إعلان النصر النهائي للرأسمالية استنتاج متسرع. فالدين الفيدرالي الأميركي تجاوز 40 تريليون دولار، وبلغ التفاوت في الثروة أعلى مستوياته منذ أواخر القرن التاسع عشر، فيما يهدد الذكاء الاصطناعي بقلب معادلات العمل والدخل. هذه التحديات لا تعني انهيارًا وشيكًا، بل تؤكد أن تناقضات ماركس لم تختفِ بل تحولت. الخلاصة المنصفة أن الرأسمالية الأميركية لم تسقط النبوءة بقدر ما أجّلت استحقاقها عبر الابتكار المؤسسي، والعولمة، وسياسات الإنقاذ.
لعل الخلاصة الأكثر إنصافًا هي أن الرأسمالية الأميركية لم تُسقط نبوءة ماركس بقدر ما نجحت، حتى الآن، في تأجيل استحقاقها. فمن خلال الابتكار المؤسسي، والانفتاح على العولمة، وسياسات الإنقاذ المالي والنقدي، أثبت هذا النظام قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسه كلما اقترب من حافة الأزمة. وما أخطأ فيه ماركس لم يكن تشخيص التناقضات البنيوية للرأسمالية، بل التقليل من قدرتها على التكيّف وإعادة تشكيل قواعد اللعبة قبل أن تبلغ تلك التناقضات نقطة الانفجار. وفي المقابل، أخطأ كثير من أنصار الرأسمالية حين اعتقدوا أن استمرار النظام دليل على سلامته، بينما يكشف الواقع أن هذا الاستمرار يقوم على تراكم الديون، واتساع فجوات الثروة، وتدخلات الدولة، وتحديات بيئية وتكنولوجية وجيوسياسية تتعاظم عامًا بعد عام.
لذلك، لم يعد السؤال: متى ستنهار الرأسمالية؟ فهذا السؤال أثبت التاريخ أنه أبسط من الواقع. السؤال الأهم هو: إلى أي مدى تستطيع الرأسمالية أن تواصل إصلاح نفسها قبل أن تصبح كلفة الإصلاح أكبر من كلفة الأزمة ذاتها؟ ففي عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي، وتتعمق فيه اللامساواة، وتتكرر فيه الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، يبقى ماركس، بعد أكثر من قرن ونصف على صدور «رأس المال»، ليس نبيًا للثورة، بل أحد أكثر من شخّصوا علل النظام الذي لا يزال يحكم العالم، وإن بآليات أكثر تعقيدًا بكثير مما عرفه القرن التاسع عشر.