طرائف و مقالب الصحافة
إذا كانت الصحافة قد نالت شهرتها من خلال فضح السياسيين ونجوم الفكر والفن، عبر ما تنشره عنهم وعن فضائح بعضهم، فإن هؤلاء الأشخاص غالباً ما ينتهزون الفرص لإحراج الصحف والصحفيين، وتاريخ الصحافة العالمية مليء بمثل هذه السقطات.
سأحدثكم أولاً عن مقلب وقع لي شخصياً؛ ففي بداية الألفية الجديدة، كنت أعمل محرراً رياضياً في إحدى الصحف المحلية بمدينة أربيل في كوردستان العراق. في ذلك الوقت، لم يكن خط الإنترنت منتشراً كما هو الآن، وكان لزاماً علي جمع بعض الأخبار الرياضية. قمت أنا وزميلي بجمع الأخبار، ولكن كان ينقصنا خبر واحد لملء الصفحة، فقمنا بابتكار وكتابة خبر عن انفصال لاعبة تنس عالمية عن زميلتها في اللعب الزوجي. نُشر الخبر ولم ينتبه له أحد، ولكن من سخرية القدر أن اللاعبة التي ذكرتها انفصلت عن زميلتها فعلياً بعد أسبوع تقريباً من نشر الخبر، وحينها سألني مسؤول الصفحة: كيف جئت بهذا الخبر وهو يحدث الآن؟، فأجبته ضاحكا: تنبأتُ بحدوث ذلك، ومرّ المقلب بسلام.
من أشهر تلك السقطات التي وقعت فيها الصحافة العالمية، ما حدث مع صحيفة أمريكية حين نشرت في عام 1897 خبر وفاة الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين؛ إذ يبدو أن شخصاً ما أراد الإيقاع بالصحيفة فأرسل إليها ذلك الخبر الكاذب. لكن الكاتب الكبير سارع فوراً إلى تكذيب الخبر، وكتب للصحيفة قائلاً: لقد نشرتم خبر وفاتي، ولكنني أعتقد أن في هذا الخبر بعض المبالغة.
في عام 1835، نشرت صحيفة "نيويورك صن" سلسلة مقالات زعمت فيها اكتشاف حياة وحيوانات غريبة على سطح القمر باستخدام تلسكوب عملاق، ونسبت هذه الاكتشافات زوراً إلى عالم الفلك الشهير جون هيرشل، وفي عام 1957، عرضت هيئة الإذاعة البريطانية تقريراً مصوراً في برنامجها الإخباري "بانوراما"، يظهر مزارعين في سويسرا يقطفون المعكرونة (السباغيتي) من الأشجار. صدق آلاف المشاهدين القصة واتصلوا بالشبكة لمعرفة كيفية زراعة أشجار مشابهة.
في الحقيقة، تبدو الصحف مهووسة بـ "مقالب الموت"، وقد حكى الكاتب الكبير الراحل خالد القشطيني أنه نشر في الستينيات خبراً عن وفاة الرسام العالمي بابلو بيكاسو. لم يكن بيكاسو يجيد اللغة العربية، ولم يسمع باسمه ولا باسم الصحيفة العراقية، وربما لم يكن يعرف أين يقع العراق أصلاً؛ لذا مرّ المقلب بسلام. وكان القشطيني واثقاً بأن قراءه في ذلك الوقت لم يكونوا قد سمعوا باسم بيكاسو لا حياً ولا ميتاً، ويبدو أن الشخص الذي سمح بنشر الخبر في الصحيفة أيضاً لم يكن قد سمع به، ولهذا السبب لم يثُر الموضوع أو يسبب أي ضجة.
إن المقالب التي تقع فيها الصحف تعود في الغالب إلى السرعة والعجلة، حيث لا يتركون مجالاً للمتابعة والتأكد، فهم في سباق دائم مع الزمن والصحف الأخرى. وقد اشتهرت مجلة (فرانس ديمانش) الفرنسية بالوقوع في خطيئة الاستعجال؛ فذات مرة، أصيب الفنان والمغني (موريس شوفالييه) بمرض خطير وتوقع أصدقاؤه موته، فجازف مراسل المجلة وظن أن هذا الفنان الكبير سيموت بعد ساعات قليلة، ما يعني أن خبر وفاته سيفوت مجلته الأسبوعية، فنشر خبر الوفاة مع تفاصيل دقيقة عن كيفية دفنه ومراسم عزائه الكبيرة. لكن الفنان العجوز لم يمت، وبذلك أوقعت المجلة نفسها في ورطة كبيرة، ولحسن حظ المراسل، كانت المجلة لم تُوزع بعد، فتم إتلاف جميع أعداد ذلك الأسبوع ومنع نشرها. لقد ماتت المجلة (في ذلك العدد) ولكن موريس شوفالييه ظل حياً.
ومع ذلك، فإن بعض تلك المقالب التي تقع فيها الصحف تعود إلى الحقد والضغينة لدى بعض الكتاب والمراسلين، وهذا ما حدث مع صحيفة (برافدا) الروسية. فقد كان المراسل الفني للصحيفة يكره الموسيقار (سيرجي رخمانينوف)، وكان الأخير قد ألف مقطوعة موسيقية جديدة واستعد لتقديمها للجمهور في قاعة موسيقية كبرى. لكن حقد ذلك المراسل والناقد الفني منعه حتى من الذهاب إلى القاعة لسماع المقطوعة، فجلس في بيته وكتب نقداً لاذعاً للمقطوعة، ووصمها بكل سوء، ولم ينتظر حتى اليوم التالي بل نشر نقده فوراً. لكنه عرض نفسه لموجة عارمة من السخرية والتهكم؛ لأن (رخمانينوف) كان قد مَرِضَ ولم يتمكن من تقديم المقطوعة، وتم تأجيل الحفل ليوم آخر.