جدلية الذات في "أحزان وحيد القرن"

09 July 2026
emanmhammad@ymail.com
إيمان قاسميه
تابع الكاتب عبر :

ماذا يفعل الإنسيّ حين يجد أن العالم لا يغدو جديرًا بأن تُفتح له الأبواب، ولا يستحق أن تُغادر الذات عزلتها من أجله، وأن الأصدقاء لا يستحقون الثقة، وأن الكمال وهم، والمعرفة ركود؟ ما رأيك بحبل النجاة الذي يمده لك وحيد القرن أليس الخيال أخصب من المعرفة؟ أليس مجرد تسمية المختلف مختلفًا، يحيلنا إلى دائرة الشبهة من خلال ثقافة أحادية، صراطية غالبا؟

أن تسأل يعني أنك حي تُرزق، السؤال أصل التشكّل، ولحظة ولادة المعنى، حين يسأل الإنسان، فهو يكسر السكينة، فيتحول السؤال إلى ألم وهذا ما أوعز إليه موسى برهومة، فهو يضع الذات في قلق وجودي، ولعل اتساع المعرفة بالسؤال، تقلص مساحة الطمأنينة، يُعلن النص الروائي أنه لن يُجيب، لأن الإجابة خيانة للسؤال، فقد آثر أن يترك الخيال للقارئ إيمانًا بأن الخيال أجدى من اليقين.

تفتتح الرواية قِبلتها بحلم، يعني أنها تسرّب لنا عالمًا قبل أن تُفرض عليه قواعد اليقظة، فالحلم عند سيغموند فرويد هي المنطقة التي تتراجع فيها الرقابة الواعية فتنبثق الرغبات المكبوتة والمخاوف الدفينة، وهو ما ينسجم مع مفهوم "التفرد"عند كارل يونغ، فهي رحلة للذات الباحثة عن فرديتها وتوحيد شظاياها المتناثرة.

إلى أن يقف الشرطي على عتبة الحلم، ذلك الذي لن يُفسَّر حضوره ولن يُعرف سببه حتى آخر صفحة، رمز السلطة الخارجية التي لا تتركك حتى في السراديب الخفية لذاتك، هو المجتمع يطرق باب وعيك، و الآخر الذي لا يكفّ عن المراقبة، فيتلاحم الحلم مع سؤال الهوية، يلوّح برهومة إلى أن الحدود بين النائم واليقظان، بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، حدود مُتخيَّلة بكل ما تحمله من عزلة وتناقض ولا جدوى.

ما يفعله هذا النص هو استجواب للوجود يُعاين في قالب سردي، ومحاكمة للإنسان في غياب المحكمة، ونداء للعزلة وسط صخب العالم.

وإذا ما قرأنا العزلة عند برهومة أمكن القول، إنها ضرورة وجودية لا مناص من اجتيازها استردادا للذات من يد العالم، إذ إن وحيد القرن الذي يعاني من اللاجدوى "السيزيفية" اختار أن ينأى بنفسه عن العالمين رأفة بها، فهي عزلة اختيارية، تغدو له مأوى لروحه، غير أنها تصبح أيضًا، المرآة التي يتكثف فيها ألمه، فتتشكل ذاته على إيقاع هذا التناقض، فهي ذات متفردة تعيش تناقضا مأساويا فكاتبٌ يُعلن العزلة وينشر ما كتب، يرفض الآخر ويكتب له، يستلهم سارتر "الآخر هو الجحيم" لكنه لا يسير بجانبه؛ لأن البطل يكتب والكتابة موجَّهة لآخر، يستدعي سقراط بمقولته السائرة "اعرف نفسك"، ثم يُظهر أن سقراط نفسه لم يعرف نفسه، وأن معرفة الذات هي منبع للقلق.

كما يدعو برهومة إلى التماس العدو بوصفه يهيّج، إنه يرمي حجارة متواصلة صغيرة وكبيرة في مستنقع العادة والألفة والملل والأهم في مستنقع الانقسام، فهو قوة توقظ الوعي من سكونه ولما تخلقه من توتر محفّز، فالعدو يعني أنك موجود، أنك تمثل شيئًا، في جدلية هيغل الذات لا تعرف نفسها إلا بالمواجهة مع الآخر، هذه التناقضات هي الإنسان نفسه، كما رآه هيراقليطس منذ فجر الفلسفة كائنٌ تسكنه الأضداد وتُحرّكه، ولو توقف التوتر بينها لتوقف معه كل شيء.

من أبرز الحيل السردية التي يتبعها برهومة في الرواية أنه لم يُفصح عن اسم الشخصية (وحيد القرن) منذ البداية، بل أرجأه لصفحات لاحقة، هذا التأخير ليس اعتباطيًا، هو غُرّة موقفه الفلسفي في النص، فالاسم هو أول ما يربطنا بالمجتمع، وأول ما يصنّفنا، يتقاطع مع الفكر الوجودي "السارتري" الذي يرى أن الإنسان يسبق تعريفه وجودُه، فالشخصية تتشكّل تدريجيًا من قلقها وسأمها وعزلتها قبل أن تُمنح اسمها.

يُشبه هذا، ما فعله المخرج ديفيد فينشر في (Fight Club 1999)غاب الاسم عن البطل طوال الفيلم، كون الاسم يعني الامتثال للنظام، برهومة يفعل الشيء ذاته فهو يحرك المياه الراكدة في السرد بكسر أفق التوقع وزعزعة استقراه.

تجلّى أحزان وحيد القرن عن تجربة سردية متمردة تتجاوز الحدود الأجناسية التقليدية، إذ لا يسير النص وفق منطق التتابع الحكائي، وإنما وفق منطق التداعي النفسي والشظايا الفكرية، الأمر الذي يجعل بنية النص أقرب إلى الوعي المتشظي منها إلى البناء الروائي الكلاسيكي، بيد أن النص ينجح في تشييد أفق فلسفي خصب، الأمر الذي يخفف من التوتر الدرامي الذي تتطلبه الرواية، حيث تتراجع الحبكة لصالح التأمل الوجودي، فتتحول الشخصية من فاعل سردي إلى وعاء فلسفي يختبر عبره المؤلف أسئلته الوجودية.

لقد تعودنا على عدم التساؤل أمام كل شيء متقن عن تكوينه، وعلى الاستمتاع بوجوده كما لو أنه انبثق من الأرض بضربة عصا سحرية، دعت الرواية إلى محاكمة دائمة للأفكار إن لم تتفحّص ما في عقلك وتخصه بين الحين والآخر، سيتعفّن، وسيبدو الذهن مستنقعًا تفوح منه الروائح الأسنة، كل فكرة تُستدعى وتُحاكَم وحيد القرن؛ فهي التي اتهمته واعتقلته طوال حياته.

يمكن وصف الرواية بأنها رواية ميتا سردية، فالرواية تشير لمواطن النقد، بل تستبقه، إنها تصادر سلطة الناقد قبل أن يمارسها، فتجعل من النقد جزءًا من بنيتها السردية، يُعلن برهومة بلا مواربة ما سيقوله النقاد في معماره الروائي، ثم يمضي قُدُمًا رغم ذلك، لا مندوحة من القول إن الكاتب الذي يستبق نقاده يمارس ما يُسمى "الدفاع الاستباقي"، وهو ميكانزيم نفسي يُحوّل الهشاشة إلى قوة أعرف أنك ستهاجمني هنا، وأنا أعترف بذلك، مما يُجرّدك من سلاحك، إنه بذلك يُبطل النقد بقبوله.

تخرج الدهشة الكائن من حالة المألوفية، أو على نحو أدق، تكون علاقتها بما يقع وراء حدود المألوف، في هذه الرواية ستجد إنسانًا يفتح اليوتيوب ليسمع صوت المطر دون أن يبتلّ، ويستمع لتغريد العصافير دون أن يغادر عزلته، " كلما حنّ إلى صوت العصافير والطيور الأخرى، لجأ إلى يوتيوب، واختار ما يناسبه من أصواتها ووقتما يشاء. وبهذا يداوي العصافير التي لا تعرف الود، ولا تحفظ الجميل"، فالسارد يستبدل الخبرة الحسية المباشرة بخبرة رقمية وسيطة؛ إذ يصبح اليوتيوب بديلاً عن الطبيعة، والشاشة بديلاً عن العالم. وهذا يدل على اغتراب الذات إلى حدّ تعذّر انخراطها مع الأشياء بصورة حية، بيد أنها تكتفي بظلالها، فيتحول اليوتيوب أو الوسيط الرقمي إلى وسيط وجودي يعوض غياب العالم الحقيقي.

وهذا يرتبط بمفهوم المحاكاة الذي تطور في الفلسفة الحديثة، ولا سيما عند الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الذي يرى أن الإنسان المعاصر لم يعد يعيش في الواقع المادي المباشر، غير أنه غرق في عالم من الصور والرموز التي تحلّ محل الأصل، فيغدو الإنسان مقيمًا في الجب داخل تمثيلات العالم أكثر من إقامته في العالم نفسه.

لماذا نكتب؟ ما هي الكتابة عند وحيد القرن؟ ليس ثمة إجابة قاطعة أو جامعة، تقف على ترسانة من المفاهيم، فالكتابة رسالة من جانب عقائدي، أو من تصور تبشيري يجعل الكتابة أداة حاسمة في التغيير، أو من رغبة في الشهرة، وتحقيق شهوة الحضور حسب تعبير برهومة، أو هي اختبار المقدرة على التعبير، وربما على الإدهاش، وهي لعبة التخيّل، وواحدة من أدوات النسيان، وهناك من يكتب ليختبر ذاته ومعرفته ونموه ونضج أفكاره.

أما الكتابة عند وحيد القرن، فهي لسبب آخر يدفعه للكتابة يستطيع الكشف عن المكبوتات والرغبات المقموعة ويعرف نفسه أكثر يكتب عن اللاجدوى لا ليظهرها، بل ليقذفها من جوفه، هي وسيلته الوحيدة للاحتجاج، هي التي تهدم وتقيم معمارها الخاص.

ثمة علوّ شاهق، يستتبعه شعور بالنشوة، فهو لا يكتب لكي يرضي أحداً، لأن الأحاد المتكرّرة التي تُسمّى جمهوراً هي وهم خالص، وأما الانجرار وراء ما يطلبه الجمهور فهو الخرف الكامل، فتغدو الكتابة أشبه بالمحو، إذ يرفض أن يجعل الكتابة استجابة لأفق انتظار الجمهور، ينحاز إلى أصالة التجربة الفردية في مواجهة استبداد الجمهور، وهو موقف يذكّر بنقد نيتشه لأخلاق القطيع.

يترك برهومة نهاية الشرطي معلّقة، ولا يُفسّر سبب مجيئه، ولا يُكمل خيط الحلم الافتتاحي لا يُعدُّ إرجاء الكشف عن أسباب الأحداث خللًا في البناء السردي، سيّما أنها تمثل استراتيجية جمالية تقوم على إحلال الاحتمال محل الحقيقة النهائية. فالرواية لا تسعى إلى تقديم معرفة مكتملة، وإنما إلى إنتاج فضاء تأويلي يشارك فيه القارئ في بناء الدلالة، لتصبح الأسئلة هي النشيد الوطني للذات من الإجابات.

تنادي الرواية بلزوم أن يغوص الإنسان في التجاويف ليرحل في فضاءات متعددة، فالحقائق لا تُعطى هبة للناس، هي فعل متخمر بعجينة القلق، والسأم، والعبث، واللاجدوى، والسؤال، والتفكر، والخوف، والضياع، "لا تكتمل أيها الإنسان، لا تجعل الحياة خطًا مستقيمًا لا منعرج فيه؛ كيلا يقتلك السأم، لذ بالمنحدرات والسفوح وارتقِ الأعالي، ونم قرب البراكين، وصادق العاصفة".