كيف حول نجيب محفوظ الوقار إلى سجن اجتماعي؟

07 July 2026
نجيب محفوظ في أحد شوراع القاهرة (متحف نجيب محفوظ)
نجيب محفوظ في أحد شوراع القاهرة (متحف نجيب محفوظ)
saudisadiq@gmail.com
سعودي صادق
تابع الكاتب عبر :

في عمق "زقاق المدق"، حيث تتشابك المصائر الإنسانية وتتلاطم أمواج الفقر واليأس، يتربع "زيطة" صانع العاهات في دكانه المظلم كإله مسخ يعيد تشكيل أجساد البشر. في هذا الفضاء العبثي، لا يعود الجسد الإنساني مقدساً، بل يتحول إلى مادة خام تخضع لقوانين العرض والطلب في سوق التسول. وبين الظلام والروائح الكريهة التي تحيط بزيطة، تأتي عبارته الصادمة: "الوقار أنفس عاهة"؛ فهذه الكلمات ليست مجرد تهكم عابر من شخصية هامشية ومشوّهة، بل هي مانيفستو فلسفي واجتماعي عميق، يلخص رؤية نجيب محفوظ التشريحية لمجتمع مأزوم، ويقدم نقداً لاذعاً للطبقة الوسطى ومفهوم الكرامة الزائفة.

حين اعتبر "زيطة" الوقار عاهة، ولم ينظر إليه كفضيلة، كان يرفع الستار عن حقيقة اقتصادية ونفسية مريرة في عالم يسحقه الفقر والطبقية. في منظور "صانع العاهات"، كل تشويه جسدي (كالأعمى أو الأعرج) هو رأس مال حقيقي، وسيلة عملية لاستدرار العطف وجلب قوت اليوم. أما الوقار، ذلك القناع الصارم الذي يرتديه الإنسان ليحافظ على كبريائه وصورته أمام الناس، فهو العاهة الحقيقية التي تمنعه من مد يده، وتجبره على الجوع في صمت. إنه الجدار الذي يبنيه المرء حول حاجته، فيتحول الكبرياء إلى قيد، وتصبح الكرامة عبئاً ثقيلاً يحول دون البقاء البيولوجي؛ ففي عالم "زيطة"، الجوع حقيقة، والوقار وهمٌ قاتل.

ولو أخذنا هذه المقولة إلى فضاء التأمل الأوسع، خارج حدود الزقاق الضيق، لوجدنا أن "الوقار" يتحول في كثير من الأحيان إلى عاهة اجتماعية ونفسية حقيقية. فالوقار يدفع الإنسان إلى التخلي عن تلقائيته، وإلى سجن مشاعره الحقيقية خلف ملامح متجهمة أو هادئة بشكل مصطنع خوفاً من نظرة المجتمع، حتى يصبح المرء أسيراً لما يجب أن يبدو عليه، لا لما يشعر به حقاً.

وفي عالمنا المعاصر، يرتدي الكثيرون وقاراً رقمياً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تظهر المثالية والرزانة والنجاح المطلق. هذا الوقار الحديث يعزل الإنسان عن حقيقته الضعيفة وعن رغباته البسيطة، ليتحول المجتمع إلى مجموعة من الأقنعة التي تخاف الصدق. لقد أصاب “زيطة” في نبوءته؛ فالوقار حين يتحول من احترام للذات إلى هوس بالصورة الخارجية، يصبح العاهة الأكثر كلفة، لأنه يسرق من الإنسان حريته، ويتركه وحيداً خلف قناعه المهيب.

تتجلى عبقرية نجيب محفوظ في استخدام مقولة “زيطة” كأداة للنقد الاجتماعي الموجه للطبقة الوسطى في مصر إبان فترة الحرب العالمية الثانية؛ فهذه الطبقة، التي كانت تتآكل اقتصادياً، ظلت متشبثة بوقار شكلي فارغ من المضمون. لقد فضح محفوظ كيف يتحول هذا الوقار إلى أداة للنفاق الاجتماعي؛ فالجميع يتظاهر بالفضيلة والالتزام بالتقاليد، بينما القاع يغلي بالرغبات المكبوتة والحاجة المادية التي تدفع الناس لبيع كل شيء سراً، إذ يصبح الوقار هنا عاهة لأنه يعيق هذه الطبقة عن مواجهة واقعها المزري، ويجعلها تعيش في حالة إنكار مستمر، تفضل فيه الموت جوعاً أو السقوط الأخلاقي المستتر على حساب خدش صورتها العامة.

تكتسب مقولة “زيطة” أبعاداً حية حين نربطها بتحولات شخصية “حميدة”، الفتاة المتمردة الطامحة للخروج من سجن الزقاق، التي رأت في وقار الزقاق وتقاليده الرتيبة عاهة تكبل أنوثتها وتدفن أحلامها في الفقر. وعندما تلتقي بـ "فرج"، القواد الأنيق والمحرك الآخر للمصائر في الرواية، نرى تلاقياً مذهلاً بين فلسفته وفلسفة “زيطة”. فإذا كان “زيطة” يصنع عاهات الجسد لكسب العيش، فإن فرج يصنع "عاهات الروح" من خلال تحرير “حميدة” من "عاهة الوقار" والتقاليد ليقذف بها في عالم الغواية والدعارة. وفي الحقيقة، يعد “فرج” و”زيطة” وجهين لعملة واحدة: كلاهما يرى في القيم الأخلاقية والوقار الاجتماعي عوائق أمام الصعود والبقاء.

في النهاية، يظل "زقاق المدق" مصنعاً كبيراً للأقنعة والعاهات. ومن خلال عدسة “زيطة” السوداوية، يضعنا نجيب محفوظ أمام مرآة قاسية: هل وقارنا الذي نتمسك به هو فضيلة حقيقية، أم أنه مجرد عاهة اجتماعية غير مرئية نرتديها لنخفي خلفها تشوهاتنا النفسية وخوفنا من مواجهة الحقيقة؟ لقد كان “زيطة” مشوهاً في جسده وسلوكه، لكن رؤيته للمجتمع كانت خالية من أي تشويه.