هل نظرية الانفجار العظيم أسطورة؟
لا يهدف العلم، على عكس ما يدّعيه الكثيرون، إلى إيجاد الحقيقة المطلقة للكون. فمهما بلغ شغفنا بمعرفة جوهر الواقع الكوني وتفاصيله، بدءاً من أصغر المقاييس دون الذرية، ميكانيك الكم، وصولاً إلى أكبر المقاييس الكونية وما وراءها، الفيزياء الفلكية، فإن العلم لا يستطيع تقديم هذه الحقيقة على طبق من فضَّة للإنسان المعاصر، فجميع حقائقنا العلمية خاضعة لمفهوم التطور، وعلينا أن ندرك أنها لا تمثّل سوى أفضل نماذجنا الحالية لتقريب واقعنا المشترك الذي نراه.
إن النظرية الحديثة لتطور الكون، والمعروفة عموما بنظرية الانفجار العظيم، هي مجرد قصة. نعم، إنها قصة متجذرة في معادلات رياضيات ومفاهيم فيزياء نظرية وتجنح في بعض الأماكن نحو التجريب والبحث النقدي في العالم الطبيعي الذي يُعدّ سمة مميزة للعلم، لكنها تبقى مجرد قصة. ولأنها قصة خلق، فلا يزال عليها أن تؤدي نفس وظائف جميع أساطير الخلق السابقة.
يجب على نظرية الانفجار العظيم أن تفسر من أين أتى الكون، ومتى وُلد، وكيف وُجد، وما هو موقعنا في الكون. لا تقتصر نظرية الانفجار العظيم على كونها قصة رائعة، زاخرة بالأحداث والدراما والمشاعر المؤثرة، بل إنها تشترك أيضاً في العديد من الجوانب والتشابهات مع الأساطير عبر التاريخ. فقد واجهت كل ثقافة في العالم وعبر التاريخ هذه المهمة الجسيمة، مهمة ابتكار أسطورة الخلق. الأساطير ليست مجرد قصص بسيطة، بل هي وسائل تستخدمها الثقافة أو الحضارة لتعليم شعبها عن أنفسهم وعن العالم. يجب أن تكون منطقية ضمن السياق الثقافي الذي تظهر فيه، وأن تُنير للناس دروب الظلام وتُرشدهم في هذا الكون الواسع.
في أوائل القرن العشرين، وبعد سنوات من الجهد، وضع ألبرت أينشتاين نظريته المشهورة: النسبية العامة، وقد مثّل هذا تحسناً هائلاً في فهمنا للجاذبية، إذ منحنا رؤية متطورة لآليات عمل هذه القوة الأساسية. وبمجرد أن أتقن آينشتاين أساسيات النسبية، طبّقها على الكون بأسره. فقد افترض، عن حق، أن الجاذبية هي القوة الوحيدة المؤثرة على نطاقات شاسعة. كل شيء له كتلة وطاقة يخلق الجاذبية ويستجيب لها. لذا، من السهل نسبيًا وضع كل شيء في بوتقة النسبية، وتركه يعمل، ومراقبة كيفية تطوره مع الزمن.
وجد آينشتاين أن الكون المليء بالمادة يجب أن يكون ديناميكياً بطبيعته، إما أن ينكمش أو يتمدد مع الزمن. لكن هذا يتعارض مع الفكر السائد آنذاك، وفي خطوة نادرة، أقر آينشتاين بالهزيمة، وعدّل معادلاته بإضافة ثابت كوني يُثبّت الكون، وهو ما سنعترف به لاحقًا كأكبر أخطائه، لكن علماء آخرين تعاملوا مع نظرية النسبية لأينشتاين بروح أكثر مما فعل أينشتاين نفسه، كان من بينهم جورج لومتر، العالم البلجيكي والقس الكاثوليكي.
سمح لومتر لمعادلات النسبية بأن تُطرح على حقيقتها، وآمن بها عندما قالت إن الكون ديناميكي، متنبئاً بأن الكون كان ينبغي أن يكون أصغر في الماضي. عندما اطلع أينشتاين لأول مرة على لومتر وعمله، صُدم وربما شعر بالرعب، قائلاً: "حساباتك صحيحة، لكن رؤيتك الفيزيائية بغيضة" ولا شك أن هذا الكلام، خاصةً أنه صادر من أينشتاين نفسه، قد أثّر فيه بشدة. وبعد ذلك بعامين، كشف عالم الفلك إدوين هابل أن المجرات، في المتوسط، تبتعد عنا، وهي نتيجة يمكن تفسيرها بسهولة من خلال فرضية أن الكون يتوسع.
سارع المنظرون في كل مكان إلى ابتكار قصة متسقة، أسطورة خلق إن شئت قول ذلك، لتفسير هذه النتيجة الجديدة. ذكّر لومتر الجميع بأدب أنه قد فعل ذلك بالفعل، ثم شرع في وضع سيناريو كوني كامل في ورقة بحثية عام 1931. تصوّر لومتر الكون على أنه توسّع من مصدر مركزي، أطلق عليه اسم الذرة البدائية، والتي توسّعت وانفجرت إلى مجموعة متنوعة من العناصر، التي تجمّعت لاحقًا لتشكيل النجوم والمجرات.
إليكم القصة التي أراد لومتر سردها من تلك الورقة البحثية: "يُتصور أن هذه الذرة قد وُجدت للحظة واحدة فقط، في الواقع، كانت غير مستقرة، وبمجرد أن وُجدت، انقسمت إلى أجزاء وانقسمت الأجزاء بدورها مرة أخرى إلى أجزاء، ومن بين هذه الأجزاء اندفعت الإلكترونات والبروتونات وجسيمات ألفا، وما إلى ذلك. نتج عن ذلك زيادة في الحجم، وهكذا كان تفكك الذرة مصحوبًا بزيادة سريعة في نصف قطر الفراغ الذي ملأته شظايا الذرة البدائية، دائمًا بشكل منتظم".
بطبيعة الحال، اعتبر علماء آخرون قصة الذرة البدائية هذه متطرفة بعض الشيء، قائلين إنه كان يحاول فقط إقحام قصة الخلق في بحث علمي سليم عن الكون. أما لومتر نفسه، فقد جادل بأنه لم يكن يسعى إلى ذلك، بل كان يتبع الأدلة ويحاول صياغة فرضية متماسكة، وأن أي تشابه مع أي رواية أسطورية كان محض صدفة. اليوم ندرك أن ذرة لومتر البدائية هي أصل نظرية الانفجار العظيم وبينما نعتقد أن لومتر أخطأ في العديد من التفاصيل، فإن الصورة العامة دقيقة: منذ زمن بعيد، كان الكون صغيراً، صغيراً جداً لدرجة أنه كان نقطة تفرد، ثم ازداد حجمه من هناك.
بالطبع، ثمّة اختلافات تميّز نظرية الانفجار العظيم عن غيرها من قصص الخلق الأسطورية. فالانفجار العظيم نظرية فيزيائية. وهذا يعني أنها تستخدم أدوات مختلفة قليلاً لبناء القصص مقارنةً بالأساطير. إن نظرية الانفجار العظيم هي قصة الخلق الحالية لدينا. وإن لم تكن أسطورة بالمعنى الدقيق، فهي بالتأكيد تحمل في طياتها بنية أساطير الأولين.