لماذا لم نعد نحتمل بعضنا؟
كيف تحوّل صوت الرسائل الذي كان يوقظ فينا الفرح ذات يوم إلى شيء يشبه القلق؟ وكيف أصبح الهاتف، الذي كان نافذتنا نحو الآخرين، بابًا يثقل أرواحنا كلما رن؟
فيما مضى من الزمان، كنّا نتسابق إلى رنّة هواتفنا وصوت الرسائل النصية كما لو أنّ أحدًا جاء ليطمئن وحدتنا، لماذا كانت الرسائل القديمة تبدو أكثر دفئًا رغم بساطتها؟ ولماذا كانت كلمة واحدة قادرة على أن تُغيّر يومًا كاملًا، بينما نعجز اليوم عن احتمال عشرات المحادثات؟
أهو الإنسان الذي تغيّر، أم الزمن؟ كيف أصبح القرب مرهقًا إلى هذا الحد؟ وكيف استطاع العالم، رغم كل وسائل التواصل، أن يجعل الأرواح أكثر بُعدًا ووحدة؟
ربما لأن الإنسان لم يُخلق ليكون حاضرًا طوال الوقت، ألم يكن الغياب قديمًا جزءًا من جمال العلاقات؟ أليست المسافة هي ما كان يمنح الشوق معناه؟ كيف مات الحنين بهذه السرعة، إلا لأن كل شيء أصبح متاحًا أكثر مما ينبغي؟ ولماذا نشعر أحيانًا بأن كل رسالة جديدة ليست محاولة للوصول إلينا، بل محاولة لاقتحام صمتنا الداخلي؟
الفيلسوف كيركغارد كان يرى أن الضجيج أخطر ما يواجه الإنسان لأنه يمنعه من سماع نفسه. فهل فقد الإنسان الحديث علاقته بذاته وسط هذا التدفق المستمر من الأصوات والكلمات؟ وهل أصبح يخشى الهاتف لأنه لم يعد يجد مكانًا يختبئ فيه من العالم؟
كيف تحوّل التواصل من حاجة إنسانية إلى إرهاق وجودي؟ ولماذا صرنا نضع هواتفنا على الوضع الصامت وكأننا نحاول حماية شيء هشّ بداخلنا؟ ربما لأننا لم نعد نفتقد بعضنا كما ينبغي.
ألم يكن الانتظار قديمًا جزءًا من الحب؟ ألم تكن الرسائل القليلة أكثر عمقًا لأنها كانت تعبر مسافة من الشوق قبل أن تصل؟ أما اليوم، فما الذي بقي للخيال بعدما أصبح كل شيء حاضرًا فورًا، وكل الناس متاحين طوال الوقت؟
ولماذا، رغم هذا القرب الهائل، نشعر بوحدة أكبر من أي وقت مضى؟ هل لأن العلاقات الحديثة أصبحت مليئة بالحضور وفقيرة بالمعنى؟ نتحدث كثيرًا، لكن كم مرة نشعر أننا مفهومون حقًا؟ وكم مرة نغلق هواتفنا لا لأننا نكره الآخرين، بل لأننا نحاول ألا نفقد أنفسنا؟
ربما لم نعد نحتمل بعضنا لا لأن القلوب قست فقط، بل لأن أرواحنا تعبت من هذا العالم السريع الذي لا يمنح الإنسان فرصة كافية ليشتاق، أو ليصمت، أو حتى ليغيب قليلًا دون أن يُساء فهمه.
أليس الإنسان بحاجة أحيانًا إلى عزلة صغيرة كي يعود أكثر صدقًا مع نفسه ومع الآخرين؟
وأليس بعض الصمت شكلًا عميقًا من أشكال النجاة؟
ربما لهذا لم تعد رنّة الرسائل تشبه ما كانت عليه قديمًا. لم تعد وعدًا بالدفء بقدر ما أصبحت تذكيرًا دائمًا بأن العالم لا يتوقف عن الوصول إلينا حتى في أكثر لحظاتنا رغبةً بالاختفاء.