في تنظيم المعرض الدولي للكتاب بالرباط
انتهى المعرض الدولي للكتاب في دورته 31، والذي عرف تنوعا من حيث الناشرين، الدول المشاركة، وتنوع الندوات واللقاءات الفكرية، وكأي معرض، هناك عوامل تُسهم بشكل مباشر في إنجاح التظاهرات الثقافية التي هي نتاج تجارب سابقة، ورؤية القائمين عليها، ومن نقاط قوة المعرض في هذه الدورة، اهتمامه بذوي احتياجات الخاصة وتوفير لغة الإشارة في بعض الندوات المنعقدة في الحيز المخصص للمؤسسات.
تزامن المعرض مع العطلة الجامعية والمدرسية، مما مكن الكثير من الطلبة والتلاميذ من زيارته، على عكس الفترات السابقة التي يتصادف فيها مع فترة الاختبارات، مما يفوت عليهم الاستفادة من الأجواء الثقافية للحدث، ناهيك عن تعدد شبابيك التذاكر لضمان سرعة الدخول إليه، يُضاف إلى ذلك مراعاة المعرض لجل الفئات العمرية، وتوفير فضاءات ترفيهية للأطفال كفضاء "الأمير الصغير".
رغم النقاط الإيجابية، إلا أنه كأي حدث ثقافي، لابد أن تعتريه جوانب قصور يجب الانتباه لها وتفاديها في الدورات المستقبلية، وأهمها تدبير فضاء "المؤسسات"، الذي يطرح عدة تساؤلات حول المعايير المعتمدة لتمثيل هذه المؤسسات والغاية منها، عندما يكون نشاطها لا يتعلق بالمجال الثقافي أساسا، فإقحام مؤسسات لا صلة لها بالمجال الأدبي والفكري، يحول المعرض إلى استعراض وظائف ومهام المؤسسات بدل الكتب، كما أن بعضا منها لا يعقد لا لقاءات ولا كتب للبيع، مما يجعل وجودها رمزيا وشكليا فقط، مع احتلالها لحيز مكاني مهم كان الأفضل أن يخصص لدور النشر.
في هذا الصدد، طرح تمثيل المؤسسات جدلا واسعا حول المعايير المعتمدة، كالجامعات مثلا، إذ لم يتم تمثيل بعضها في المعرض، كما جرت العادة في الدورة السابقة، وهو ما اعتبره بعض الأساتذة بمثابة إقصاء لأنشطتها، لكن إذ أخذنا بهذا الطرح فذلك سيتطلب تمثيل كل جامعات المغرب، ناهيك عن الحيز المكاني الذي ستشغله، مما يجعل هذا الخيار صعب التحقق.
يجب الإشارة إلى أن بعض المعروضات المخصصة بأروقة الجامعات أو المؤسسات، هي في الأصل غير موجهة للبيع، وإنما للعرض فقط، وليست كل الجامعات الممثلة تقوم بندوات أو لقاءات دورية، بل تظل أروقتها فارغة مقارنة بمؤسسات أخرى، فغاية المعرض الدولي للكتاب والنشر ليست غايات للتوجيه جامعي أو مدرسي، بل الانفتاح الفكري، صحيح أن الجامعات تُسهم في ذلك بشكل رئيسي، لكن احتجاج من ينتمون إلى جامعة لم تمثل في المعرض، يخلق نوعا من التحريف عن مقاصد الحدث، في حين يمكن تنظيم أنشطة للجامعات في رواق موحد أو في قاعة الندوات لتحتضن كافة أنشطة الجامعات وتفادي ما يثيره إقصاءها من جدل وانقسام.
يضاف لما سبق تدبير الندوات داخل فضاء المؤسسات، إذ يحدث أن تبرمج 3 أو 4 ندوات، في نفس الوقت، وفي فضاءات متقاربة، مما يخلف نوعا من الفوضى الصوتية، وتداخلا فيما بينهما، وهو ما لا يخلق أريحية لدى المستمع أو زائر المعرض في حين كان من الواجب على المنظمين تحويل اللقاءات إلى القاعة المخصصة لذلك، بدل أن تكون مجرد لقاءات تؤثث المشهد.
غاية المعرض في الأساس تناول الكتاب والقضايا المرتبطة بالنشر والترجمة، لتكون محل نقاش بين الكتاب والمهتمين به، لا تحويله إلى معرض للمؤسسات لتعرض اختصاصاتها أو هياكلها، التي يمكن التعرف عليها عبر مواقعها الرسمية مع الأخذ بعين الاعتبار الفترة الزمنية الضيقة للمعرض الذي يعد حدثا سنويا استثنائيا وتظاهرة ثقافية دولية لا تتكر، إذ كان بالأحرى أن تكرس لمؤسسات دولية ومنظمات تعنى بالنشر وقضاياه، كما أن فضاء المعرض لا يمكن أن يتسع لتمثيل كل هذه المؤسسات والقطاعات الوزارية، لمناقشة كل القضايا المجتمعية، وتخصصات القانون والاقتصاد وغيرها، وإلا سيصبح المعرض مخصصا للمؤسسات أكثر مما هو مخصص للكتب واللقاءات الفكرية والأدبية.
إن جزء كبير من نجاح المعارض الدولية الثقافية لا يرتكز فقط على حشد الزوار، بقدر ما يجب أن يوجه لمعالجة القضايا الفكرية والثقافية المرتبطة بشكل وثيق بطبيعة الحدث، وليس تحويله لمقرات وزارية متنقلة تؤثث المكان، في حدث استثنائي لا يتكرر.