أمل السودانيين في نافذة سلام

03 مايو 2026
abdelazim556@gmail.com
عبدالعظيم الله جابو
تابع الكاتب عبر :

في كل مرة يُعاد فيها الحديث عن استئناف المفاوضات في مدينة جدة، يعود معه شيء من الأمل الحذر لدى السودانيين، الذين أنهكتهم حرب لم تترك بيتا إلا وطرقته بصورة أو بأخرى. ليست المسألة مجرد جولات تفاوضية تُعقد خلف أبواب مغلقة، بل هي في وجدان الناس سؤال يومي: هل يمكن أن تتوقف هذه الحرب فعلا؟

منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت حياة الملايين إلى حالة من الترقب والقلق المستمر، مدن دُمّرت، وأحياء خلت من سكانها، وأسر تفرقت بين النزوح واللجوء، في خضم هذا المشهد، بدت مفاوضات جدة، التي رعتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، كواحدة من الفرص القليلة التي يمكن أن تُحدث اختراقًا في جدار الأزمة.

لكن التجربة السابقة تركت انطباعا معقدا، فالاتفاقات التي أُعلنت، خاصة تلك المتعلقة بوقف إطلاق النار، لم تصمد طويلا. كان المواطن البسيط يسمع عن "هدنة" في الأخبار، لكنه في الواقع يواصل سماع أصوات الرصاص والانفجارات. هذا التباين بين النصوص المكتوبة والواقع الميداني خلق حالة من فقدان الثقة، ليس فقط في أطراف النزاع، بل في العملية التفاوضية نفسها، ومع طول أمد الحرب، تتزايد الكلفة الإنسانية والاقتصادية، ويصبح استمرار القتال عبئا لا يُحتمل حتى على من يخوضونه.

في الأحياء التي نزح منها سكانها، وفي مراكز الإيواء المكتظة، وفي الأسواق التي أعاد الناس فيها ابتكار وسائل العيش، يظهر بوضوح أن المجتمع السوداني بات يبحث عن أي مخرج. ليس بالضرورة مخرجا مثاليا، بل مجرد بداية لوقف النزيف. هذا ما يجعل أي حديث عن مفاوضات، مهما كان محدودا، يجد صدى واسعا بين الناس.

التحدي الأكبر لا يكمن في عقد المفاوضات، بل في ما بعدها، فالسودانيون لا يحتاجون إلى اتفاقات جديدة بقدر ما يحتاجون إلى ضمانات حقيقية لتنفيذ ما يُتفق عليه، التجارب السابقة أظهرت أن غياب آليات الرقابة الفعالة، وانعدام الثقة بين الأطراف، يمكن أن يُفرغ أي اتفاق من مضمونه خلال ساعات.

كما أن أي عملية تفاوضية لا تأخذ في الاعتبار أصوات المدنيين، ستظل ناقصة، فالحرب لم تعد شأنا عسكريا فقط، بل أصبحت قضية مجتمع بأكمله. هناك ملايين المتضررين الذين لم يُمثلوا بشكل كاف في جولات التفاوض السابقة، وهؤلاء هم الأكثر حاجة إلى أن تُسمع أصواتهم في أي تسوية قادمة.

إلى جانب ذلك يبرز دور المجتمع الدولي والإقليمي، الذي يمكن أن يكون عامل ضغط إيجابي إذا ما توفرت الإرادة السياسية، فالتجارب العالمية تُظهر أن النزاعات المعقدة لا تُحل فقط عبر التفاوض، بل عبر مزيج من الضغوط والحوافز التي تدفع الأطراف نحو التسوية.

ومع كل هذه التعقيدات، تبقى الحقيقة الأهم أن الزمن لم يعد في صالح السودان، فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيدا من الخسائر، ومزيدا من التصدعات في النسيج الاجتماعي، ومزيدا من الصعوبات أمام أي عملية إعادة بناء مستقبلا.

لذلك، فإن العودة إلى طاولة جدة، إذا ما تمت، ينبغي ألا تُفهم على أنها مجرد جولة جديدة من النقاشات، بل فرصة أخيرة نسبيا لإعادة توجيه المسار. فرصة تتطلب جدية مختلفة، وإرادة حقيقية، واستعدادًا لتقديم تنازلات مؤلمة، لكنها ضرورية.

في نهاية المطاف، لا ينظر السودانيون إلى جدة كمدينة بعيدة تُعقد فيها الاجتماعات، بل كرمز لاحتمال أن تتوقف هذه الحرب، احتمال قد يبدو ضعيفا أحيانا، لكنه يظل، بالنسبة لكثيرين، الأمل الوحيد المتبقي.