وهمُ الأجنحة الورقية
بينما تنفخ الآلات الإعلامية في صورة "الطائرات المسيرة" وتصورها كبعبع القرن الحادي والعشرين، يكشف الواقع العسكري الرصين عن حقيقة مغايرة تماماً. نحن لسنا أمام "سلاح معجزة"، بل أمام "ألعاب نارية" متطورة، تعجز عن حسم معركة، وتفشل أمام أول اختبار حقيقي للقوة العسكرية المنظمة. إنها قصة صعود "الضجيج" على حساب "الأثر"، ومحاولة بائسة لتعويض النقص في القدرات العسكرية الحقيقية.
تُصور المسيرات وكأنها قلبت موازين القوى، لكنها في الحقيقة مجرد "ذباب ميكانيكي" يمارس سياسة "التحريش"، نعم، هي تزعج، تزنّ، وقد تخدش، لكنها أبداً لا تكسر عظم جيش نظامي ولا تسقط دولة. إن تسميتها بسلاح "استراتيجي" هي مبالغة تثير السخرية؛ فالسلاح الاستراتيجي هو الذي يفرض واقعاً جديداً على الأرض، أما المسيرة فهي مجرد "رسالة انتحارية" تضيع صرختها بمجرد ارتطامها بالهدف، دون أن تغير في ميزان القوى ذرة واحدة.
يتباهى مروجو هذه الأدوات بـ "رخص ثمنها"، والحقيقة أن هذا الرخص يعكس "رخص قيمتها" القتالية. هي طائرات غبية، تتبع مسارات بدائية، وسهلة الصيد لمن يملك التقنية الحقيقية. عندما نطلق صاروخاً غالي الثمن لإسقاطها، فنحن لا نكرمها، بل "نكنس" قذارتها من سمائنا. الدفاعات الجوية اليوم لا تحمي فقط المنشآت، بل تحمي "هيبة السماء" من بلطجة الأدوات الرخيصة. إنها مواجهة بين "العشوائية الفوضوية" و"النظام الصارم"، وفي النهاية، النظام هو من يفرض كلمته.
تاريخياً، يلجأ إلى "العشوائية" و"الإزعاج" من لا يملك القدرة على المواجهة المباشرة. المسيرات هي "سلاح المفلسين" استراتيجياً؛ أولئك الذين يعجزون عن بناء سلاح جو حقيقي، فيلجأون إلى "نحلٍ مفخخ" لتعويض النقص. إنها سلاح "جبان" بطبعه، يختبئ خلف التحكم عن بُعد، ويراهن على ثغرة هنا أو إهمال هناك، لكنه ينهار تماماً أمام منظومات التشويش والحرب الإلكترونية التي تحول هذه "المعجزات الورقية" إلى خردة تسقط من السماء قبل أن تصل.
يضحك البعض على فارق السعر بين الصاروخ والمسيرة، لكن الضحك الحقيقي يجب أن يكون على من يظن أن أمن الأوطان يُحسب بـ "الفكة". حين يسحق صاروخ "باتريوت" أو "ثاد" هذه الذبابة الطائرة، هو لا يسقط حديداً، بل يسقط "وهم الخرق" الذي تعيشه الجهة المعتدية. إننا ندفع ثمن "السيادة"، والسيادة لا تُقاس بقيمة المقذوف، بل بقيمة "الاستقرار" الذي لا يفهمه من يديرون حروبهم بعقلية "العشوائية والضجيج".
ستظل المسيرات مجرد "فصل باهت" في كتاب الحرب. إنها "إزعاج طيار" سينتهي مفعوله مع تطور تقنيات الليزر والتشويش التي ستجعلها تتساقط كأوراق الخريف. القوة الحقيقية تظل في الجيوش التي تسيطر على الأرض وتحكم السماء بذكاء حقيقي، لا بـ "خردة طائرة" تظن أنها أصبحت نسراً.