مام جلال… رجلٌ صنع للكرد صوتًا وللعراق توازنًا

24 July 2026
loransalsher56@gmail.com
لورنس الشعير
تابع الكاتب عبر :

في شرقٍ مبلّل بالصراعات، حيث الخرائط تُرسم بالدم، والأحلام تُؤجَّل خلف جدران السياسة، يبرز اسم جلال طالباني بوصفه أحد أهم البنّائين في تاريخ العراق الحديث. رجلٌ حمل ذاكرة الجبال إلى قصور الحكم، وجعل من حضور الكرد في بغداد حقيقة لا يمكن القفز عنها. زعيمٌ لم يكتف بأن يطالب بحق شعبه، بل عمل على أن يكون جزءًا من مستقبل وطن كامل.
حين نتحدث عن طالباني، فنحن لا نتحدث عن رئيسٍ سابق فقط، بل عن تجربة سياسية فريدة تلامس أطراف الشرق الأوسط كلّها. تجربة تكثّف معنى التوازن الحكيم في زمن تتناطح فيه المصالح كوحوش جائعة.
وُلد طالباني عام 1933 في كوي سنجق، حيث الأرض تدرّ الحكايات قبل القمح. نشأ بين قومٍ يعرفون أن الدفاع عن الهوية ليس خيارًا بل قدر. درس القانون في بغداد، وهناك عرف أن الكلمة يمكن أن تكون رصاصة أكثر دقة. في الجامعة انخرط في الحراك الطلابي الكردي، جاعلًا من حلم المساواة مشروعًا سياسيًا يتجاوز حدود العرق إلى معنى الإنسانية.
انضم شابًا إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مصطفى بارزاني. لكن الاختلاف في الرؤية حول مستقبل النضال قاده لاحقًا نحو طريقٍ جديد. طالباني كان يرى أن الكرد بحاجة إلى سياسة جديدة، لا فقط إلى ثورة تقاتل. كان يؤمن بالتحالفات مع القوى الديمقراطية العراقية، وبناء أفق مدني أكثر شمولًا. الخلافات لم تكن هروبًا، بل كانت تحوّلًا.
عام 1975، حين سقطت الثورة الكردية إثر اتفاق الجزائر، رفض طالباني منطق النهاية. أسّس مع رفاقه الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) في دمشق، حاملًا مشروعًا تحديثيًا للكرد: حضور فكري وثقافي، ديمقراطية داخلية، خطاب اجتماعي تقدمي. كان الحزب إعلانًا بأن الكرد ليسوا هامشًا، بل فاعلًا سياسيًا معاصرًا.
سنوات طويلة من حرب العصابات ضد نظام البعث جعلت من طالباني مقاتلًا مفاوضًا. يقاتل حين يجب أن يُقاتل، ويفاوض حين يكون السلام أكثر بطولة. الجبال منحته الصلابة، والمعارك منحته الواقعية. قاد عمليات عسكرية في مناطق السليمانية وكرميان، وبنى شبكة علاقات خارجية لدعم صمود الحركة الكردية، مدركًا أن السياسة في الشرق الأوسط تُكتب بلغات كثيرة.
لم تكن طريقه مفروشة بالأمجاد فقط. الصراع بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني في التسعينيات كان أكثر فصول النضال مرارة. ومع مرور الزمن، أدرك طالباني أن الدم الكردي أغلى من الخلافات، فدفع بقوة نحو المصالحة التي انتهت في اتفاق واشنطن 1998. اعترف بالأخطاء، وهذه شجاعة لا تقل عن شجاعة القتال.
بعد سقوط نظام صدام حسين، تغيّر شكل العراق وتفتّحت نافذة سياسية غير مسبوقة. وبفضل علاقاته الواسعة وقدرته على تهدئة الخصوم، اختير طالباني عام 2005 ليصبح أول رئيس كردي في تاريخ العراق، وهو منصبٌ يرمز إلى رحيل زمن التهميش، وولادة حضور كردي فاعل في بغداد. لعب طالباني دور مهندس التوازن الوطني بين العرب والكرد، الشيعة والسنة، الداخل والخارج، وكان يقول "الدولة ليست سلاحًا، الدولة عقد إنساني". 
في عالمٍ تُدار اجتماعاته بوجوه متجهّمة، كان ابتسامة طالباني رسالة سياسية: أن الحوار لا يقلّ أهمية عن القتال. صادق المتناقضين: إيران وواشنطن، أنقرة ودمشق، الليبراليين والإسلاميين، وكان الجميع يجد فيه نافذةً تُطل على السلام.
قربه من الناس لم يكن أداءً سياسيًا. كان يجلس مع البسطاء بلا حواجز، يشارك في الأفراح، ويمازح حتى خصومه، فالسياسة بالنسبة له ليست خشونةً دائمة، بل حياة تُعاش.
عام 2012 أصيب طالباني بجلطة دماغية أبعدته عن المشهد، وفي 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 رحل جسده وبقي تأثيره، بقيت فكرة أن الكرد شركاء لا متسولين للحقوق، بقيت الفيدرالية صمّام أمان، بقي التوازن عنوانًا ضروريًا لاستمرار الدولة العراقية.
لم يكن طالباني سياسيًا كاملًا. لم ينجح دائمًا في ضبط الفساد أو إدارة حزبه بإحكام. الحرب الكردية – الكردية صفحة سوداء في كتاب ناصع. لكن قيمة الزعيم تُقاس بما يتركه خلفه من مشروع مستمر، لا بعثرة اللحظات وحدها.
في النهاية لم يكن جلال طالباني صوتًا يصرخ في صحراء، بل كان جسرًا يربط بغداد بظلال جبال كردستان، قائدًا جمع بين الضحكة والموقف، بين الشِّعر والمفاوضات، بين البندقية ويدٍ ممدودة للسلام. رحل مام جلال، لكن حضوره ما زال يُشعل الجبال ويذكّر العراق أن العدل ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للبقاء، وبين سطور سيرته الطويلة، يتعلّم الشرق الأوسط درسًا بسيطًا: يمكن للسياسة أن تكون إنسانية، إذا حملها إنسان يشبه جلال طالباني.