لماذا أصبحنا مشغولين طوال الوقت… دون إنجاز حقيقي

21 April 2026
يومنا مليء بمهام صغيرة تنقل بين تطبيقات وتشتت مستمر، لكن غالبًا ينتهي دون إنجاز حقيقي.(غيتي)
يومنا مليء بمهام صغيرة تنقل بين تطبيقات وتشتت مستمر، لكن غالبًا ينتهي دون إنجاز حقيقي.(غيتي)
h.alghanmi@outlook.com
حاتم الغانمي
تابع الكاتب عبر :

في السنوات الأخيرة لم يعد الانشغال مؤشرًا على الإنتاجية كما كان في السابق، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد حالة مستمرة… دون نتائج حقيقية قد لا يكون هذا التحول يبدو صاخبًا أو مفاجئًا… بل على العكس. أنه يحدث بهدوء لدرجة أن الفرد قد لا يلاحظه إلا عندما يتوقف لحظة ويسأل نفسه: ماذا أنجزت اليوم فعلًا؟

انشغال بلا نتائج

من السهل ملاحظة أن يوم الفرد المعاصر أصبح مليئًا بالمهام الصغيرة: تنقل بين تطبيقات، ردود سريعة على الرسائل، متابعة مستمرة للتحديثات، وبدء مهام متعددة في وقت واحد. ومع ذلك غالبًا ما ينتهي اليوم دون إنجاز واضح أو مهمة مكتملة بشكل كامل. هذه الحالة تخلق نوعًا من التناقض؛ فالشعور بالانشغال حاضر طوال الوقت لكن الإحساس بالإنجاز غائب أو ضعيف.

وهم الحركة

أحياناً ينتابنا شعوراً لحظياً بالإنتاجية المستمرة وهذا مايمكننا تسميته "بوهم الحركة" بسبب كثرة التنقل بين المهام، بينما هي في الواقع قد تكون مجرد استجابة مستمرة لعوامل و مسببات خارجية لا تسمح لنا بالتركيز العميق على مهمة واحدة حتى تكتمل. بمعنى آخر قد يتحرك الفرد كثيرًا خلال يومه لكنه لا يتقدم بالقدر نفسه. 

بيئة مصممة للتشتيت

لا يمكن فصل هذا التحول عن البيئة الرقمية التي نعيش فيها اليوم. فمعظم التطبيقات والمنصات صُممت لتجذب انتباه المستخدم بشكل مستمر، عبر الإشعارات والتنبيهات والتحديثات المتلاحقة ما يجعل من السهل بدء المهام، وصعبًا إكمالها. وهنا لا يتعلق الأمر بضعف في الإرادة بقدر ما هو تفاعل طبيعي مع بيئة تُشجع على التشتت. 

غياب الأولويات

 مع تزايد المهام الصغيرة، يصبح من الصعب تحديد ما هو مهم فعلًا. وعندما تتساوى جميع المهام في الإلحاح الظاهري، يفقد الفرد القدرة على ترتيب أولوياته، فيبدأ كل شيء… دون أن ينتهي شيء. ما الذي تغيّر فعلًا؟ المشكلة لا تكمن في العمل بحد ذاته… ولا في الرغبة في الإنتاج… بل في طريقة توزيع الانتباه. حين يتشتت الانتباه بين عدد كبير من المهام، يفقد كل منها العمق اللازم ليُنجز بشكل كامل. وهنا يظهر الفرق بين “الانشغال” و”الإنجاز”؛ فالأول قد يكون مستمرًا طوال اليوم، بينما الثاني يحتاج إلى تركيز ممتد ووضوح في الأولويات.

بين الكثرة والاكتمال

 في نهاية المطاف، قد لا يكون الحل في تقليل عدد المهام فقط، بل في إعادة النظر في طريقة التعامل معها. إعطاء مساحة كافية لمهمة واحدة حتى تكتمل، قد يكون أكثر قيمة من بدء عدة مهام دون إنهاء أي منها. فليس كل يوم مليء بالأنشطة… يومًا مُنجزًا وأحيانًا، يكون أكثر ما ينقصنا… ليس الوقت، القدرة على التركيز فيما نختار أن نُكمله بشكل أفضل. وهذا ما يفسر شعور كثيرين بعدم الرضا رغم انشغالهم المستمر.