توزيع مراكز القوة في الجيش السوداني
في لحظات التحول الكبرى، يصبح المشهد العسكري مادة مفتوحة للتأويل، حيث يندفع كثيرون لقراءته بأدوات قاصرة لا تعكس تعقيده الحقيقي. وفي الحالة السودانية، كلما أقدمت المؤسسة العسكرية على خطوة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي، تعالت أصوات سياسية وإعلامية تُسقط تصوراتها الضيقة على واقع لا تدرك أبعاده.
ورغم أن ذاكرة العلاقة بين الجيش والمجتمع تحمل تعقيدات وأحداثا مؤلمة، إلا أن ذلك لا يبرر اختزال ما يحدث في تحليلات سطحية أو قراءات مشحونة بالأجندات، فالتغييرات الأخيرة داخل الجيش لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد صراع على السلطة، بل هي في جوهرها إعادة تنظيم عميقة لبنية مؤسسة عسكرية تواجه حربا معقدة ومفتوحة.
عند التمعن، يتضح أن ما جرى ليس إعادة توزيع مناصب تقليدية، بل انتقال من نموذج هرمي جامد إلى نموذج شبكي وظيفي أكثر مرونة، هذا التحول يعكس فهما متقدما لطبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد ممكناً إدارة الصراع عبر مركز واحد متضخم، بل عبر محاور متخصصة تتكامل تحت قيادة مركزية.
نحن أمام أربع شخصيات رئيسية: عبد الفتاح البرهان، شمس الدين كباشي، ياسر العطا، وإبراهيم جابر. وما حدث فعليا يقوم على ثلاثة مرتكزات: إلغاء المناصب التقليدية ذات الطابع السياسي، إعادة توزيع الأدوار على أساس تخصصي، وإعادة تشكيل مراكز النفوذ بطريقة تمنع التمركز وتزيد الكفاءة.
إسناد رئاسة هيئة الأركان إلى ياسر العطا ليس إجراء شكليا، بل وضع للرجل في موقع القيادة العملياتية الفعلية. هذا المنصب يعني التحكم في التخطيط الميداني، إدارة المعارك، وتوجيه القوات وفق المتغيرات اليومية، فالعطا بخبرته الميدانية الطويلة، أثبت في لحظات حرجة قدرته على إدارة المعركة والحفاظ على مواقع استراتيجية، ما جعله الخيار الطبيعي لهذا الدور. هو اليوم ليس مجرد قائد، بل يمثل "العقل التنفيذي للحرب"، حيث تُدار المعركة اليومية عبره، بكل تعقيداتها وتشابكاتها.
أما منصب التخطيط الاستراتيجي الذي أُسند إلى كباشي، فقد أُسيء فهمه بشكل واسع. هذا الدور لا يقل أهمية عن القيادة الميدانية، بل يتجاوزها في تأثيره طويل المدى. فصاحبه يعيد صياغة العقيدة العسكرية ويضع خطط التسليح، ويرسم ملامح الجيش بعد الحرب. كباشي بطبيعته الفكرية وخلفيته الاستراتيجية، هو الأنسب لهذا الموقع. لم يُهمّش، بل أُعيد توظيفه في موقعه الطبيعي، مهندس الجيش المستقبلي، بينما يدير العطا الحاضر، يصوغ كباشي المستقبل.
في الحروب الحديثة، لم يعد الحسم محصورا داخل الحدود، وهنا يأتي دور إبراهيم جابر، الذي يتولى ملف العلاقات الدولية بخلفيته الاقتصادية والدبلوماسية، أصبح مسؤولا عن إدارة التوازنات الخارجية والتفاوض وتأمين الدعم. هذا المنصب يمنحه تأثيرا عميقا، لأن من يدير العلاقات الخارجية يمتلك مفاتيح التأثير في مسار الحرب من خارج الميدان.
في قلب هذا الترتيب، يظل البرهان محورا مركزيا. لم يُضعف الآخرين، بل أعاد توزيع القوة بينهم، بحيث لا يتشكل مركز منافس له. كل محور يعمل بشكل مستقل وظيفيا، لكنه يعود في النهاية إلى نقطة واحدة: القيادة العامة. ما فعله يمكن تلخيصه في تفكيك مراكز النفوذ التقليدية، تحويل التنافس إلى تخصص، وتثبيت نفسه كحلقة وصل لا يمكن تجاوزها.
غياب الصراعات العلنية بين القادة ليس دليلاً على غياب الاختلاف، بل على احتوائه داخل المؤسسة. الحرب فرضت وحدة مصير، حيث يدرك الجميع أن أي انقسام داخلي يمثل تهديدا وجوديا. هذا التماسك يستند إلى عقيدة عسكرية راسخة: في لحظات الخطر، تُؤجل الخلافات. العلاقة بين الجيش وقيادته، خاصة في ظل أحداث مفصلية كمعارك القيادة العامة، خلقت رابطًا يتجاوز الحسابات الفردية.
ما يحدث يعكس تحولا في فكر الجيش نفسه، الانتقال من نموذج تقليدي بطيء إلى نموذج حديث قائم على التخصص والمرونة. هذا النموذج يقسم العمل إلى ثلاث دوائر: العمليات، الاستراتيجية، والعلاقات الدولية، ونجاحه يعتمد على وضوح الصلاحيات، وتكامل الأدوار، واستمرار الثقة بين القادة.
لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ، فالحرب لم تعد داخلية فقط، بل تحمل أبعادا إقليمية متصاعدة. تقارير عن أدوار خارجية، واحتمالات توسع الصراع، تفرض على الجيش تطوير نفسه بسرعة. السودان اليوم يقف في بيئة إقليمية معقدة، حيث يمكن أن تتحول حدوده إلى جبهات متعددة، ما يجعل إعادة الهيكلة ضرورة وجودية لا خيارا تنظيميا.
من أبرز ما يميز التجربة السودانية هو الانخراط المكثف في حرب المسيرات. هذه الحرب، التي ما تزال جيوش كبرى تتعلمها، خاضها الجيش السوداني في ظروف حقيقية ومعقدة. لم تعد المسيرات مجرد أدوات استطلاع، بل تحولت إلى عنصر حاسم في المعركة. هذه الخبرة تمنح الجيش ميزة استراتيجية، وتجعله مصدرا مهما للمعرفة العسكرية في هذا المجال.
بموقعه الجغرافي وتعقيدات محيطه، يتجه السودان ليكون لاعبا فاعلا في ترتيبات إقليمية أوسع. صراعات المياه، التنافس على البحر الأحمر، وإعادة تشكيل التحالفات، كلها عوامل تضع الجيش أمام تحديات تتجاوز حدوده. وهذا الواقع يفرض تطويرا ليس فقط في القدرات القتالية، بل في التفكير الاستراتيجي.
ما حدث داخل الجيش السوداني ليس صراعا على السلطة، بل إعادة توزيع ذكية للقوة تهدف إلى زيادة الكفاءة ومنع التمركز. العطا يدير الحرب، كباشي يبني المستقبل، جابر يؤمن العمق الخارجي، والبرهان يجمع هذه المحاور في مركز واحد.
في ظل تهديدات إقليمية متصاعدة وخبرة قتالية متراكمة، خاصة في حرب المسيرات، يضع الجيش نفسه في موقع جديد: ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل إقليمي يمتلك خبرة لا تقل أهمية عن السلاح نفسه.
وحين يكون الوطن في مواجهة خطر وجودي، لا تعود المسألة صراع كراسي، بل إعادة تعريف للأدوار، بحيث يُكمل كل طرف الآخر، لا ليقصيه.