العراق.. توازنات الداخل والخارج
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يتجدد الجدل حول طبيعة العلاقة بين العراق وإيران، بوصفها إحدى أكثر العلاقات تعقيداً وتشابكاً في المنطقة، فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يجد نفسه في قلب توازنات إقليمية دقيقة، تفرض عليه تحديات مستمرة في الحفاظ على استقلالية قراره الوطني.
خلال السنوات الماضية، برز النفوذ الإيراني كعامل مؤثر في المشهد العراقي، سواء على مستوى التفاعلات السياسية أو الترتيبات الأمنية، وبينما ترى قوى سياسية أن هذا النفوذ يندرج ضمن إطار المصالح المتبادلة وضرورات الأمن الإقليمي، تنظر إليه أطراف أخرى باعتباره عاملاً يقيّد هامش الحركة أمام الدولة، ويضعف قدرتها على صياغة سياسات مستقلة، خصوصاً في القضايا ذات البعد الإقليمي.
هذا التباين في التقييم يعكس، في جوهره، إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية بعد 2003، حيث تداخلت الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الخارجية بشكل غير مسبوق، لأن العلاقة مع طهران لا تُقرأ فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل تمتد إلى الداخل، حيث تلعب فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية دوراً بارزاً في المعادلة الأمنية، ويثير هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول حدود دور هذه الفصائل، ومدى انسجامه مع مفهوم الدولة المركزية واحتكارها لاستخدام القوة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن العراق يواجه تحديات أمنية حقيقية، دفعت في مراحل مختلفة إلى الاعتماد على قوى غير تقليدية في مواجهة تهديدات داخلية وخارجية، غير أن استمرار هذا الوضع، دون إعادة تنظيم واضحة للعلاقة بين الدولة وهذه القوى، يطرح إشكالية تتعلق بتوازن السلطة، ويؤثر في طبيعة النظام السياسي نفسه.
أما اقتصاديا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالعراق رغم كونه من بين الدول الغنية بالموارد النفطية، إلا إنه لم يتمكن حتى الآن من تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة تنعكس على حياة المواطنين. ويعزو مراقبون ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها الفساد الإداري، وضعف مؤسسات الدولة، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية على الاستقرار الاقتصادي، وفي هذا السياق، يُطرح سؤال حول مدى قدرة الدولة على تحصين اقتصادها من الضغوط الخارجية، وتعزيز استقلالية قرارها المالي.
أما على مستوى التماسك الداخلي، فتبرز العلاقة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان بوصفها أحد أبرز مؤشرات التوازن الهش داخل الدولة، ورغم أن قيادة الإقليم قد تبنت في السنوات الأخيرة مقاربة تميل إلى تجنب الانخراط المباشر في صراعات المحاور، مع التركيز على الأولويات المحلية، إلا أن التوترات الأمنية المتكررة، وبما في ذلك هجمات تُنسب إلى فصائل مسلحة، تعكس استمرار التحديات التي تواجه هذا النموذج، وتثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الطرفين في ظل الضغوط المتزايدة، وناهيك عن الصراع بين المكونات العراقية المختلفة.
في هذا الإطار، يمكن القول إن النفوذ الإقليمي في العراق ليس ظاهرة استثنائية، إنما هو امتداد لطبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الملفات، غير أن خصوصية الحالة العراقية تكمن في تداخل هذا النفوذ مع بنية داخلية ما زالت في طور إعادة التشكل، ما يجعل تأثيره أكثر عمقاً وحساسية.
ومن هنا، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقليص النفوذ الخارجي، بل في بناء توازن داخلي قادر على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية، لأن الدول القادرة على إدارة علاقاتها الخارجية بفعالية، هي فقط تلك التي تمتلك في الأساس بنية داخلية متماسكة، ونظاماً سياسياً قادراً على إنتاج توافقات مستقرة.
ومع استمرار غياب توافق وطني شامل حول أولويات المرحلة، يبقى مستقبل العراق مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تعزيز الاستقرار التدريجي، أو استمرار حالة التوازن الهش التي قد تتعرض للاهتزاز مع أي تصعيد إقليمي، وفي كلا الحالتين، تظل مسألة السيادة الوطنية في صلب النقاش، ليس كمفهوم نظري، بل كإطار عملي لإدارة الدولة وعلاقاتها.
وفي المحصلة، يقف العراق أمام معادلة معقدة: كيف يمكنه الحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي، من دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات؟ الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط فقط بطبيعة التوازنات الخارجية، إنما بقدرة النخب السياسية على إعادة تعريف أولويات الدولة، وبناء نموذج حكم أكثر استقلالية وتماسكاً.