فينومينولوجيا التناقض والدولة المعاصرة
خُلق العقل البشري على فطرة عدم التناقض. ولذلك جعلها المناطقة إحدى محدّدات التفكير البشري السليم؛ فكثرة التناقض يحوّل الإنسان فريسةَ الخلل الوجودي؛ فلا يعرف نفسه: أصادق هو أم كاذب؟ أمحقّ أم لا؟ أسوي أم معتلّ؟ ومع مرور الزمن يصير في ألفة مع تناقضاته، ومن ثم يعتاد نتائجها، فيقبل الادعاء والكذب والخطأ، حتى يصير التناقض حالة من حالات السكينة، وليس القلق الوجودي.
ولنلاحظ نحن العرب عدد المتناقضات التي ألفناها ونتائجها: نعيش الحالتين السياسيتين: القُطرية ذات الأساس الوطني، والدينية ذات الأساس الأممي. ونعيش الواقع المدني العلماني، ويسكن داخلنا الافتراض الغيبي الأيديولوجي. والعربي اليوم يقاتلك على الجمع بينهما في حالات، والتمسك بواحدة في حالات أخرى، مع جواز التنقل بينهما بيسر أكثر مما ينتقل أحدنا من حافلة إلى أخرى. فقد يدافع عن قطرية بلده في وجه أممية الدين، ويرتّب على ذلك تكفيراً دينياً. أي يصير الحكم الديني سلاحاً للخيار العلماني في وجه الخيار الديني ذاته.
وقد تصير القيمة العلمانية سلاحاً للخيار الديني في وجه الخيار العلماني نفسه. بل قد يستند إلى العلة الشرعية في الحكم على الأشياء، ولكنه يعطّل الحكم الشرعي المترتّب عليها، ويأخذ بالحكم العلماني الذي لا يستند إلى هذه العلّة أساساً.
لقد حاول عدد من المفكرين العرب حل معضلة هذا التناقض؛ فبعضهم أخذ بالحل العلماني الإلحادي كصادق جلال العظم أو المادي الجدلي كعبدالله العروي، وبعضهم قال بالتفسير العلماني للتراث(علمنة التراث) ومن ثم علمنة المعاصرة كطيب تيزيني أو بالانتقائي العقلي كالجابري، وبعضهم أخذ بالحل الديني كسيد قطب والغزالي المصري والشيخ القرضاوي وطه عبد الرحمن- وغيرهم كثر- وبعضهم اختار التوفيق بينهما ضمن مقولة فلسفية جامعة كحسن حنفي وبرهان غليون ويوسف زيدان.
هذه أربعة نماذج ذات إطار فلسفي مرجعيّ. ويظل النموذج الأخير: التلفيقي أو التصالحي هو الأكثر انتشاراً وإشكالاً؛ إذ يدعي الحلّ ويقبل بالتناقض- كما عند زيدان تحت مسمّى "مشروعيّة التناقض"- منطقَ حياةٍ على المستويات الفينومينولوجية والاجتماعية والسياسية. لكن التجارب تثبت مرّة بعد أخرى أنه منطق طوباوي يصمد على الورق وحسب. ويبقى الحل المجرّب هو النموذج العلماني الذي يستوعب الجميع، على أن تبقى الحصانة للأسس العلمانية لا لغيرها عند التعارض. وإلا سنظل نرى الطائفة أو العشيرة قبل الدولة، والأمة قبل الوطن، ومصلحة السماء قبل الأرض.