حين يتحول الصوت إلى جدار
يقال كثيرا إن المجتمعات الصحية هي تلك التي تسمح بتعدد الآراء وتفتح المجال للنقاش. غير أن التجربة في الفضاءات العامة سواء في المجالس أو المنصات الرقمية، تكشف أن الأمر ليس بهذه البساطة. فالتعبير عن الرأي لا يختبر فقط قدرة الإنسان على الكلام، بل يختبر قدرته على احتمال وجود رأي آخر لا يشبهه.
في بدايات الانخراط في النقاشات العامة قد يبدو الأمر سهلا. يظن المرء أن الحوار يعني ببساطة أن يطرح كل طرف فكرته، ثم تستمر المحادثة بشكل طبيعي. لكن مع مرور الوقت يتضح أن بعض النقاشات لا تتعثر بسبب ضعف الأفكار، بل بسبب ضيق المساحة التي يسمح بها بعض المشاركين لوجود أفكار مختلفة.
هناك من يدخل أي مساحة حوارية وهو يبحث عن تأكيد لما يعتقده مسبقا. لا يريد أن يسمع صوتا آخر بقدر ما يريد أن يسمع صدى صوته. وعندما يظهر رأي مختلف، يتحول النقاش من محاولة للفهم إلى محاولة لإسكات ذلك الصوت. في هذه اللحظة تحديدا يفقد الحوار معناه، لأن الهدف لم يعد تبادل الأفكار، بل حماية القناعة الشخصية من أي تحد محتمل.
هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحا في زمن التواصل الرقمي. فالمساحات التي يفترض أن تجمع الناس حول نقاش مفتوح قد تتحول أحيانا إلى دوائر مغلقة، يحيط كل منها نفسه بأصوات متشابهة. ومع الوقت يتكون شعور وهمي بأن هذا الصوت الواحد يمثل الحقيقة الكاملة، بينما ينظر إلى أي اختلاف على أنه تشويش أو تهديد.
غير أن قوة النقاش الحقيقي لا تكمن في اتفاق المشاركين فيه، بل في قدرتهم على إدارة الاختلاف. فالعقل الذي لا يسمح بوجود فكرة أخرى إلى جواره يشبه غرفة مغلقة؛ كل شيء فيها يبدو ثابتا، لكن الهواء لا يتجدد. أما العقل الذي يقبل التعدد فيشبه ساحة مفتوحة تتقاطع فيها الطرق المختلفة دون أن يلغي أحدها الآخر.
من هنا يصبح السؤال الأهم في أي مساحة نقاش ليس من الذي انتصر في الحوار؟ بل هل بقيت مساحة للحوار أصلا؟ لأن القيمة الحقيقية للنقاش لا تظهر عندما يتفق الجميع، بل عندما يستطيع المختلفون أن يتحدثوا دون أن يتحول صوت أحدهم إلى جدار يفصل بينه وبين الآخرين.
إن المجتمعات التي تتقدم فكريا لا تفعل ذلك لأنها خالية من الاختلاف، بل لأنها تعلمت كيف تدير هذا الاختلاف. فهي تدرك أن الأفكار لا تنمو في بيئة الصدى الواحد، بل في فضاء تتجاور فيه الأصوات المتعددة. وفي مثل هذا الفضاء لا يصبح الكلام وسيلة لإلغاء الآخر، بل وسيلة لفهم العالم من زوايا أوسع.
ولهذا ربما يحتاج الإنسان، قبل أن يشارك في أي نقاش، أن يطرح على نفسه سؤالا بسيطا: هل يتكلم ليؤكد ما يعرفه فقط، أم ليكتشف ما لا يعرفه بعد؟ الفرق بين الإجابتين قد يكون هو الفرق بين صوت يبني جسرا للحوار، وصوت يتحول دون أن يقصد، إلى جدار.