ليفربول بين إرث كلوب وفوضى سلوت

12 March 2026
آني سلوت خلف يورغن كلوب في تدريب ليفربول عام 2024 (وسائل التواصل)
آني سلوت خلف يورغن كلوب في تدريب ليفربول عام 2024 (وسائل التواصل)
adelmozip@gmail.com
عادل معزب
تابع الكاتب عبر :

ورث آرني سلوت مدرب ليفربول، واحداً من أكثر الفرق جاهزية في أوروبا. فريق بناه يورغن كلوب على مدى سنوات من الصفر حرفياً، منظومة متماسكة، لاعبين في ذروة النضج، وهوية لعب يعرفها الخصوم قبل الجماهير. ولذلك لم يكن غريباً أن يحقق سلوت لقب الدوري في موسمه الأول، لقب جاء نتيجة مشروع جاهز أكثر مما كان نتيجة بصمة فنية جديدة.

لكن مع بداية الموسم التالي، ومع محاولة سلوت فرض أسلوبه، تغييراً لنهج كلوب في الضغط العالي، ومحاولة لإرساء مزيج من الكرة الهولندية الشاملة والاعتماد الكلي على تشكيلة 4‑2‑3‑1 بدأت الصورة تتغير، الأداء أصبح أقل إقناعاً، الإيقاع أبطأ، والفرص أقل.

رغم ذلك، بدأ ليفربول موسمه الحالي وهو يقدّم أداءً غير مقنع، يخرج بالنقاط في اللحظات الأخيرة أكثر مما يفرضها بجودة أسلوبه. كانت الانتصارات تأتي متأخرة، أشبه بحالات إنقاذ عابرة تخفي ما هو أعمق من مجرد تذبذب. ومع كل فوز في الثواني الأخيرة، كان القلق يتزايد بين الجماهير: الفريق يجمع النقاط، لكنه لا يلعب كرة ليفربول.

بعدها جاءت المباراة التي كشفت المستور، مواجهة "ايندهوفن" في دوري الأبطال في أواخر شهر نوفمبر، حيث لم يعد الحظ حليفاً ولا الدقائق الأخيرة منقذة، أداء باهت، أخطاء متكررة، وانهيار كامل انتهى برباعية قاسية في قلب "الأنفيلد"، رباعية تحوّلت سريعاً إلى ما يسميه المشجعون اليوم بـ"رباعية بداية الانحدار".

في لحظة بدت وكأنها مكتوبة بعناية لختام حزين، يمكن تخيّل صوت هاني شاكر وهو يغني «لو بتحب حقيقي صحيح»، تحديداً عند مقطع «وأنا بنهار»، كخلفية للمشهد. جملة جاءت وكأنها تلخّص تلك الليلة الباردة بكل ما فيها: لم تكن مجرد خسارة ثقيلة، بل إشارة واضحة إلى أن الأزمة تجاوزت حدود مباراة أو اثنتين، ولفريق يسير في اتجاه مقلق لا يمكن تجاهله.

حين وصل يورغن كلوب إلى ليفربول في أكتوبر 2015، قال عبارته التي أصبحت جزءاً من ذاكرة النادي: "لا يهم ما يقوله الناس عنك في البداية، المهم ما يقولونه عندما ترحل"، وقد رحل الألماني والجميع يتحدث عن مشروع ناجح أعاد النادي إلى الواجهة: فريق أعيد بناؤه من الصفر، منافسة شرسة مع مانشستر سيتي رغم الفوارق المالية، ألقاب محلية وقارية،

أربعة نهائيات أوروبية خلال عشر سنوات، هوية لعب واضحة: ضغط، سرعة، شراسة، ومتعة، مدرب يتحمل المسؤولية كاملة في الفوز والخسارة، حيث أن كلوب لم يكن يختبئ خلف الأعذار، ولم يلقِ اللوم على إصابات أو ضغط مباريات. كان يقف أمام الكاميرات ويقول: "أنا المسؤول."

بعد الموسم الأول، ومع بدء سلوت تنفيذ مشروعه الخاص، بدأت المشكلات تتراكم: أسلوب لعب بطيء لا يشبه ليفربول، أخطاء فردية وجماعية متكررة دون حلول واضحة، اعتماد مفرط على اللاعبين الهولنديين رغم سوء أداء جاكبو، صفقات تتجاوز 450 مليون دولار لم تُترجم إلى أداء، إصرار على التعاقد مع اللاعب السويدي ايزاك رغم إصاباته المتكررة، رحيل لاعبين مؤثرين وتراجع مستوى صلاح. 

رغم محاولات الجماهير التمسك بالأمل، أكدت المباريات في ديسمبر ويناير هشاشة الفريق، وأظهرت أن الانحدار ليس عارضاً بل مساراً يتكرر، وصار ليفربول يحقق الأرقام القياسية في الخسائر المتتالية.

قبل انطلاق كأس الأمم الأفريقية، وقع خلاف واضح بين محمد صلاح والمدرب. الخلاف لم يكن مجرد اختلاف عابر، بل كشف عن: توتر في العلاقة بين المدرب وأكبر نجوم الفريق، غياب مهارات إدارة النجوم التي كان كلوب يتقنها، عدم قدرة سلوت على احتواء الموقف أو تهدئته. الأهم أن المدرب تعامل مع الأزمة بأسلوب دفاعي، محاولاً تبرير موقفه بدلاً من تحمل المسؤولية، وهو ما أثار استياء الجماهير التي اعتادت على شفافية كلوب ووضوحه.

سلوت هو مدرب يكثر من الأعذار ويتجنب تحمل المسؤولية، فمنذ بداية التراجع ظهر نمط واضح في تصريحاته: تحميل الإصابات مسؤولية النتائج، التحدث عن أسلوب الفرق المنافسة والإشارة إلى ضغط المباريات، الحديث عن "مرحلة انتقالية" رغم الصفقات الضخمة، "التذاكي" في تذكير مشجعي ليفربول أنه أتى، والفريق كان لا يلعب في دوري الأبطال. 

هذا الأسلوب يتناقض تماماً مع نهج يورغن كلوب، الذي كان يقف أمام الكاميرات ويتحمل الخسارة كاملة، لا ليتحمل اللوم فقط، بل ليخفف الضغط عن لاعبيه ويحمي غرفة الملابس. ومع سلوت، تغيّر المشهد تماماً. جماهير ليفربول التي كانت تملأ الأنفيلد بالغناء والهتاف حتى بعد صافرة النهاية، أصبحت تدخل المدرجات بحذر، تراقب الفريق بصمت، وكأنها تخشى سقوطاً جديداً. لم تعد تلك الجماهير التي كانت تبقى طويلاً بعد المباريات لتردد «لن تسير وحدك أبداً» بكل ثقة؛ بل أصبحت أكثر تحفظاً، بعدما فقدت جزءاً من إيمانها بالمدرب الحالي.

في الوقت الذي تحركت فيه أندية كبرى بسرعة لمعالجة تراجعها، شهدت الفترة الأخيرة تغييرات واضحة: مانشستر يونايتد أقال روبن أموريم وعيّن مايكل كاريك، تشيلسي أنهى تجربة ماريسكا وعيّن ليام روسينور، توتنهام استغنى عن توماس فرانك وعيّن إيغور تيودور. هذه الأندية اتخذت قرارات حاسمة عندما شعرت بأن مشروعها يسير في الاتجاه الخاطئ ونشهد الآن تحسن مانشستر يونايتد بعد التغيير، أما إدارة ليفربول، فتبدو مترددة، متمسكة بتقييم المدرب في نهاية الموسم فقط، رغم أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود مشروع ناجح.

في الختام، يمكن القول أن ليفربول اليوم يعيش أزمة مركبة: تراجع فني، غياب هوية، خلافات داخلية، ومدرب لا يتحمل المسؤولية كما يجب، وبين إرث كلوب الذي ما زال يفرض نفسه، و«فوضى سلوت» التي تتسع، يبقى السؤال: هل تتحرك الإدارة قبل أن يفقد النادي ما تبقى من شخصيته التنافسية؟