الموقف العربي من حرب إيران

12 March 2026
qhtani4500@gmail.com
منيس محمد القحطاني
تابع الكاتب عبر :

تشهد المنطقة في الفترة الأخيرة تطورات متسارعة وتوترات متصاعدة، خصوصا مع ما تتعرض له المملكة العربية السعودية ودول الخليج من تهديدات أمنية وهجمات تستهدف الاستقرار الإقليمي. هذه الاعتداءات، التي تأتي في سياق إقليمي معقد، تطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المواقف العربية ومدى قدرتها على الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه الأمن العربي المشترك.

ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة ليس فقط طبيعة التهديدات الخارجية، بل أيضا ردود الفعل العربية تجاهها. فبدلا من أن تكون هذه اللحظة فرصة لتأكيد التضامن العربي الحقيقي، ظهرت مواقف متباينة، بل إن بعض الأصوات في العالم العربي اتجهت إلى نبرة أقرب إلى الشماتة أو التقليل من خطورة ما يحدث. هذا السلوك، في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والأخلاقية، يعكس خلل عميق في فهم مفهوم الأمن العربي المشترك.

إن استهداف أمن الخليج ليس قضية تخص دولة بعينها أو منطقة محددة فحسب، بل هو مسألة تمس الاستقرار العربي برمته. فالخليج العربي يمثل ركيزة اقتصادية وسياسية أساسية في النظام العربي، وأي تهديد يطال استقراره ينعكس بالضرورة على مجمل التوازنات الإقليمية. ومن هنا، فإن الموقف الطبيعي المتوقع كان ينبغي أن يكون موقف عربي موحد، واضح وصريح في رفض أي اعتداء على سيادة الدول العربية وأمنها.

غير أن بيان جامعة الدول العربية الأخير جاء، في نظر كثير من المتابعين، دون مستوى الحدث. فقد بدا البيان أقرب إلى صيغة دبلوماسية تقليدية لا تعكس حجم التحديات ولا خطورة المرحلة. وهذا يثير مجددا التساؤلات القديمة حول مدى قدرة الجامعة العربية على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله، وهو الدفاع عن المصالح العربية المشتركة وتعزيز التضامن بين الدول الأعضاء.

لقد عانت جامعة الدول العربية عبر عقود طويلة من ضعف الفاعلية السياسية، لكن الأزمات الكبرى غالبا ما تكون فرصة لإعادة تقييم المؤسسات وإصلاحها. والأزمة الحالية تبدو وكأنها اختبار حقيقي كشف كثير من أوجه القصور، سواء في آليات العمل المشترك أو في الإرادة السياسية لبعض الدول الأعضاء.

وفي هذا السياق، قد تشكل المرحلة المقبلة نقطة تحول مهمة، خصوصا مع التوقعات بأن تستضيف إحدى دول الخليج القمم العربية القادمة. فانتقال مركز الثقل السياسي والتنظيمي إلى منطقة الخليج قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة أولويات العمل العربي المشترك، وربما يدفع نحو مقاربة أكثر واقعية وصلابة في التعامل مع التحديات الإقليمية.

كما أن هذه الأزمة كشفت بوضوح أن بعض الخطابات والشعارات التي طالما رفعت باسم التضامن العربي لم تكن سوى أقنعة سياسية تخفي وراءها حسابات ضيقة أو مواقف مترددة. فالأحداث الكبرى لا تختبر فقط قدرات الدول، بل تختبر أيضا صدقية المواقف والمبادئ التي تعلنها.

إن ما يحدث اليوم يمثل لحظة مراجعة حقيقية للنظام العربي ككل. فإما أن تكون هذه الأزمة حافز لإعادة بناء مفهوم التضامن العربي على أسس أكثر جدية وواقعية، وإما أن تستمر حالة التشتت التي أضعفت الموقف العربي لسنوات طويلة.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن العربي، وأن أي تهديد يستهدفه يجب أن ينظر إليه بوصفه تهديد للأمة العربية بأكملها. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على الدول العربية أن تعيد النظر في مواقفها وأن تدرك أن لحظات الاختبار الكبرى لا تقبل المواقف الرمادية، بل تتطلب وضوح وشجاعة في الدفاع.