" المبصرة" قدر لا يبصر ووعي يرفض الرؤية
كثيرا ما نحتاج إلى خوض تجارب وخبرات تبدو للوهلة الأولى لنا وكأنها خُلقت طبقا لذواتنا وطباعنا ولكن هي في الأصل لا تخصنا حيث يُرمي بنا في أقدار لا تعنينا سواء بإرادتنا الحرة أم مجبرين من الآخرين.
ومثلما تحدثت بطلة رواية "المبصرة" ميمونة "أدرك بأني عرفت القصة منذ البداية غير أني حجبت هذه المعرفة عن وعيي لسبب أجهله، ألم تكن أبرار عرافة يستشعر أنفها رائحة الأمنيات و تستشف كفاها أسرار الأخرين، ألم تخبر سلوى ذات ليلة بأن قدرتها علي الإيذاء لا عجزها عنه هو ما يجعلها طيبة، لقد رأيت هذا الخيط الأثيري بينهما فظننته غياب البصر حتي سمعت القصة كاملة فأدركت أنني العمياء الحقيقية بين ثلاثتنا".
الأحداث تطير بنا بين أحياء مدينة جدة وإحدى قراها، قد نستشعر أن الرواية عادية وعن شخوص عاديين حياتهم عادية، وهو ما يدفعنا للتساؤل عما هو عادي في الحياة و ما هو مميز فيها و ما هي المعايير الموضوعة لتخلق هذا التمييز، وعلى أي أساس تتبع وجهات النظر نحو المميز والعادي وما هو موفور النعم و ما هو سلب النعم و لماذا تتلاعب بنا أمواج الأقدار ولا تترك لنا الفرصة في إنقاذ انفسنا والنجاة إلا بعد الوقوع مرارا وبصورة أعنف عما قبلها، والخوض في غمار مظلم لا نستطيع الفكاك منه أو وضع يدنا علي نقطة واحدة تنجينا من كل تلك المصاعب، الحياة تحمل مآسي متعددة مختفية خلف قشرة خارجية من بريق زائف فلا نعرف التفرقة بين المنح و العطاءات لأشخاص ليراها أخرون أنها محن و نكبات .
في "المبصرة" يحاول القارئ أن يجد تفسيرا و يوجه نفسه استعدادا لتحديد من هي التي تحمل تلك الكلمة وصورة الغلاف ولكن مع التقدم في الأحداث تتجلى لنا أن المبصرة يمكن أن تكون واحدة من الخمس نساء الموجودات، ولك عزيزي القارئ الحكم و التقدير تجاه النتيجة التي تحتاجها ويميل إليها عقلك وقلبك، أما الخمسة فهن الأم التي وجدت طريقها وأبصرت ما أخبرها القدر من مهام أثناء التقصي عن إرثها من والدها متمثلا في دار كبيرة في إحدى قرى جدة ورؤيتها للكفيفات الصغيرات مختبئات.
ميمونة منذ الصغر تساعد الكفيفات وتتعامل معهن باعتبارها المبصرة الوحيدة، وكما قال لها والدها كآنها من الإلهة لديها إحساس بالتفوق يؤدي بها إلى غرور. إبرار وما لديها من سمات خاصة جدا في اللمس والشم لمعرفة مشاعر وأحاسيس الأخرين وما تختلج به نفوسهم، وتفسيرها تفسيرا صحيحا كأنها قارئة متفردة للغيب.
سلوى التي لا نعرف عنها سوى القليل ولكن هذا القليل هو محور حراك للأحداث، يبدو أنها ابنة موت وقد عرفت نهايتها منذ الصغر بشكل أو بأخر. فرح التي لمست منذ الصغر المعنى الفريد للصداقة على الرغم من تباين شخصيتها مع ميمونة، وانفراد كل منهما بخصال تختلف عن الأخرى، ولكن هناك رباط خفي يجمعهما.
قد تبدو الرواية لقارئها أنها عبارة عن توثيق لفترة ما يقرب من ثلاثين عاما تحكي عن التغيرات في المجتمع السعودي فهي تبدآ من التسعينات، وحتى سنوات ما بعد جائحة كورونا لنرى فيها الحياة مع نساء جدة كيف تغيرت، الطموحات والأحلام والأماني التي تتطلع لهن ولكن تواجهن العراقيل، فرح التي نجدها ظاهريا متحررة لها شخصيتها المنطلقة والقوية والطموحة ولكن نندهش أن الوالدين عقبة لها خاصة في السفر للخارج وحضور فعاليات عروض الأزياء على الرغم أن جواهر أم فرح تجد من وجهة نظرها أن أسرتها متماسكة وصلبة وأن تربية أم ميمونة لها متساهلة بسبب التشتت الأسري، فميمونة والديها منفصلين و كلاهما منطلق في مسار يختلف عن الأخر في الحياة، وأن الابنة في بداية عمرها الصغير القيت في بئر محفوفة بالمخاطر بوجودها في دار للمكفوفات تحت إدارة أمها، ومن يرى ميمونة يجدها كأنها ظلا لأخرين ولفرح خاصة ولكن أبويها كانوا الأكثر تميزا وطموحا في تشجيع ميمونة لكبح جماح العقبات التي تواجهها و تيسير الأمور على الرغم أن ظاهريا من الخارج نجد أن الحياة المفككة و شخصية ميمونة مقارنة بفرح لكان احدهم يقول لتفوز فرح.
أما سلوى فحدث ولا حرج، تتعلم الفنون في الجامعة بتشجيع من الأب ولكن الأخوين يرفضان ويقفان حجر عثرة أمامها، بعد وفاة الأب يصرون على حبسها وتزويجها منعا لهروبها لتحقيق ذاتها.
الرواية إنسانية ونفسية في آن واحد، تشعرنا بالتعاطف بشكل أو بآخر، تذكرنا بأن جزء منها يشبه شيء ما في عثراتنا، تذكرنا أننا مررنا بشيء من التعب وإنهاك في القوى نتيجة تجارب نخوضها على أنها تمثلنا ونرفض أن نتعلل بالانسحاب أو الضعف، ونكمل فيها حتى لا تقودنا إلى اتهام أقرب دوائرنا لنا بالخذلان والفشل، فنكمل تلك التجربة الرديئة ونمشي وفقا لقوانينها ولكن تأتي اللحظة الحاسمة دون أن نشعر، يخذلنا شيء خفي بداخلنا يصر على أن نكف عن ذلك العبث وتلك المهزلة المفتتة لأرواحنا والتي لا تخصنا، واضعا إيانا علي الحافة مثلما حدث مع ميمونة وهي تتدرب على الملاكمة.
في قراءتنا للنص نقول ما هذا التخبط، بطلة الرواية كانت في دار الكفيفات تساعد أمها ثم انتقلت إلى اتجاه مغاير لتكون سندا لصديقتها في مشروع دار الأزياء بصورة إدارية، كانت متفوقة فيه حيث التنسيق وإدارة الخط الزمني وخلق هوية وأعتقد تلك الخبرة المكتسبة منذ أن كانت في احتكاك مباشر مع إدارة والدتها لدار الكفيفات ثم الملاكمة. بعدها تشعر أنها تفعل كل هذا وهي في حالة أنكار تام لشيء ما هي تجهله، ولكن القارئ يتشكك في سبب هذا الإنكار فيرى تخبطا مع تصرفات غير عقلانية و محيرة لا تدري ماذا تريد، وماذا تعني لها الحياة.
حياة ميمونة محطات وكانت ظلا لتحقيق أحلام الأخرين على حسابها، لذا نراها منفصلة عن الواقع، ولكن خيالها يحمل حياة أخرى وهذا ما تمثله لنا في بداية الرواية، أنها كانت تذهب إلى بيت مهجور ترسم فيه وتبتكر حياة تخصها من مخيلتها وكأنها هروب لحياة أجبرت عليها أو كما أدركت والدتها رميت ابنتها في قدر لا يخصها .
الرواية ابنة بيئتها، من سافر جدة يستشعر ذلك خاصة إذا سافر إليها في فترات التسعينات والألفية ليشهد التغيرات فيها، أما عن الكتابة فهي ذكية وطموحة ومدروسة بتفاصيلها وخاصة في جزئية حياة الكفيفات وطبيعة معيشتهن والعراقيل التي يمكن أن تواجههن في التعليم، فيبدو أن الكاتبة قامت بعمل معايشة مع حياتهن، هي لم تكتب عنهن لتثير ألما وشجونا ولكن لتخرج من تلك الشخصيات سمات وميزات أخرى غير ظاهرة.
أما عن الغلاف فكلما دققت النظر فيه تكتشف تفصيلة جديدة ومثيرة حقا، ولكن رأيتني بشكل ما أقوم بفرد الغلاف لأرى العمل ككل لتتحقق المقولة" عندما تحجب ملامح إنسان عنا، فإنّنا نأخذ أحد موقفين، إما أن ننزع عنه إنسانيته فيصير مجرد موضوع سخرية أو دراسة أو شفقة، وإما أن نبصر حقيقته، لآن طمس الملامح لا يحجب صاحبها بل يكشف ما تعجز العين عن رؤيته". "المبصرة" ليست مجرد رواية، إنها دعوة لنبصر ما وراء الظاهر، ونعترف بأن العمى الحقيقي قد يكون في من يملكون البصر.