يشيخ الصوت… هل يعتزل المغنّون أم يواصلون الغناء؟

03 مارس 2026
 الجمهور لا يحب الفنان لأنه يمتلك أعلى نوتة، بل لأنه يصدّق إحساسه
الجمهور لا يحب الفنان لأنه يمتلك أعلى نوتة، بل لأنه يصدّق إحساسه
joseph27mrad@gmail.com
جوزيف مراد
تابع الكاتب عبر :

مع مرور السنوات، تكبر التجارب ويتّسع الأفق، لكن لا شيء يفلت من الزمن، حتى الأوتار الصوتية التي كانت يوماً ما تصدح فوق المسرح، تخضعُ لسلطان الزمان. كثير من المغنّين والمطربين يكتشفون، في مرحلة معيّنة من العمر، أن صوتهم لم يعد «ذلك السيف اللامع» الذي يشقّ الهواء بسهولة، بل أصبح ميّالاً إلى الخشونة أو فقدان بعض المساحات التي كانت تميّزه. وهنا يبرز السؤال الوجودي الفني: هل ينبغي أن يتوقفوا؟ أم يستمرّوا؟ وكيف؟

في الحقيقة، لا توجد إجابة واحدة. فمثلاً، واجهت ويتني هيوستن في سنواتها الأخيرة تحدياً قاسياً؛ فقد تراجع صوتها الذهبي الذي كان من أقوى الأصوات عالمياً، ما جعل أداءها في بعض الحفلات محلّ جدل. ومع ذلك، بقيت مصرة على الغناء، لأن الفن بالنسبة لها لم يكن مجرد صوت… بل حياة كاملة. أما لوتشانو بافاروتي فقدّم درساً مختلفاً تماماً. فمع تقدمه في العمر، لم يحاول أبداً الغناء بالطريقة نفسها التي اعتادها في شبابه، بل عدّل اختياراته، خفّف الضغط على صوته، وركّز على الدفء بدل القوة، فاستمر في إبهار الجمهور حتى آخر يوم له على المسرح. وقدّمت سيلين ديون مثالاً ثالثاً، إذ تعاملت بواقعية مع التحديات الصحية التي أثّرت على قدراتها الصوتية، وقدّمت درساً في الصمود. 

وفي العالم العربي… أصوات كبيرة واجهت الزمن بذكاء في الساحة العربية، نجد نماذج بارزة لفنانين تغيّر صوتهم مع السنين، لكنهم عرفوا كيف يستمرون. فمثلاً، تغيّر صوت فيروز في العقود الأخيرة، وأصبح أكثر هدوءاً وأقل قوة، لكنها حافظت على مكانتها بفضل الإحساس الناضج وذكاء الاختيار. أما عبد الحليم حافظ فواجه ضعفاً شديداً في صوته بسبب المرض، لكنه اعتمد على العاطفة وحب الجمهور أكثر من اعتماده على القوة الصوتية. وقدّمت أم كلثوم نموذجاً لصوت يعرف كيف يتعامل مع الزمن بخبرة وسيطرة، لا بالقوة وحدها. 

حين تتغيّر الملامح ويبقى الصوت شاهداً على العمر ومن الأمثلة العربية البارزة أيضاً تجربة ميادة الحناوي. فبعد إجرائها عملية تجميل تغيّرت ملامحها، لكن صوتها بقي يحمل آثار التقدّم في العمر: ارتجاف، انخفاض في الليونة، وتراجع في التحكم بالمساحات العالية. وهنا برز السؤال: هل من المنطق أن نُجمّل الصورة ولا نُعالج الصوت؟ التجربة أثبتت أن العناية بالصوت تحتاج جهداً مضاعفاً. منطقة رمادية بين الشباب والشيخوخة أما فنانو «الوسط»، فهم الذين ما زالوا في مرحلة متوسطة من العمر الفني؛ أصواتهم لم تشخ بعد، لكنها لم تعد أصوات العشرينيات أيضاً. لذا نراهم يخففون من الطبقات العالية، ويعتمدون على الإحساس والتوزيع الموسيقي الحديث، لإبراز جمال ما تبقى من الصوت وتغطية ما ضعُف منه. 

هل على الفنان أن يتوقف حين يضعف صوته؟ ليس بالضرورة. هناك ثلاثة حلول حكيمة: 1. تعديل الريبرتوار بما يناسب القدرات الحالية. 2. الاستعانة بمدربين صوتيين للحفاظ على اللياقة. 3. تغيير الأسلوب وعدم محاولة تقليد نسخة الشباب التي لن تعود. في النهاية، الجمهور لا يحب الفنان لأنه يمتلك أعلى نوتة، بل لأنه يصدّق إحساسه. والصوت، مهما شاخ، يبقى قادراً على الوصول إلى القلوب… إذا عرف صاحبه كيف يتعامل مع الزمن دون صراع عبثي معه. الفن لا يشيخ… يقتلهُ الغرور .