المغتربون.. أزمة زواج أم هوية؟
لعل أول ما يتبادر لذهن كل منا حين يسمع عن مهاجر يبحث عن زوجة في بلاده الأصلية التي انحدر منها سؤال لماذا لم يختر زوجة من بلاد الاغتراب؟ والأمر ذاته ينطبق على المهاجرة أو المغتربة؟ من جهة أخرى يحضر التساؤل لماذا تزوج المهاجرون من الجيل الأول والثاني من أجانب وفضلوا المجتمع المحلي على الوطن الأم؟ المهاجرون إما أن يكونوا وافدين شباب أو يولدوا في بلدان المهجر للجيل الأول أو الثاني أو أنهم رافقوا والديهم صغاراً، وأياً كان تصنيفهم سيذهب العزاب يوماً للارتباط والزواج.
هل يبحث المهاجر في الزواج عن وطنه الذي خلّفه وراءه أو يهرب من اغترابه ويتقوقع في هويته مشحوناً بهلع الذوبان ثقافياً، أم أنه على الضد يحاول الانخراط في مجتمع الاغتراب والاندماج فيه من غير هواجس هوياتية فيكون الزواج من الأجانب برهاناً على ذلك؟ تتعدد الأغراض والخلفيات والمواقف ولكن الزواج واحد.
ينقسم الشباب في المهجر إلى عدة فئات في اختيار الشركاء، الفئة الأولى والأكبر من المغتربين الذكور، يختارون زوجات من بلدانهم الأم بطرق تقليدية، حيث يبحث لهم ذووهم عن زوجة عبر علاقاتهم الاجتماعية ويتم التعارف والتواصل بينهم عن بعد، حتى إذا نجحت إحدى المحاولات يتم الاقتران ثم لم الشمل فالزواج فعليا في بلد الاغتراب. الفئة الثانية من المغتربين الذكور يختارون زوجة عربية من بلاد الاغتراب ممن هاجرن مع عائلاتهن أو ولدن في المهجر، أما الثالثة وهي النسبة الأقل، فهي الزواج من الأجنبيات، ولكنها علاقة لا تستمر طويلاً إلا ما ندر بسبب اختلاف الثقافات، وهنا لا نطلق تعميما لكن هكذا جرت العادة. بالنسبة للمغتربات فهن بنسبة عالية يتزوجن من الأوطان الأصلية بطرق تقليدية عبر ذويهم هناك وشبكة علاقاتهم مع البلد الأم، وهناك مغتربات يرتبطن بأزواج أجانب من بلدان المهجر.
تختلف نسب هذه الفئات من بلد عربي إلى آخر ومن ريف لمدينة ومن تركيب اجتماعي لآخر، كما تتأثر بالدين والعرق والطائفة والفروقات الفردية كالتعليم والوضع المادي وغيره. إن ذهبنا لنقاش كل فئة من حيث الدلالات سنصل لنتائج عدة، الفئة الأكثر جدلية تشمل الذين يرتبطون بأجانب، ولهذا الزواج تعقيداته في مجتمعاتنا العربية وتحدياته في بلاد الاغتراب من حيث صعوبة انسجام هويتين، هوية محلية وأخرى مهاجرة، والهوية بين الهويتين هوية البلد الأم وهوية بلد الاغتراب التي لا يمكن أن تطابقها لاعتبارات كثيرة ثقافية، ويبقى الشرط هو مرونة الشريكين بتلقي اختلاف كل منها تكويناً وثقافة وبناء أسرة وتربية أبناء ولكن يحدث أن ينجح هذا الطرح وهذه التجربة ويحدث أن يفشل، والتجارب خير برهان وقياسها يوضح المسألة وإلى الآن مازالت محدودة من حيث الكم مقارنة ببقية الفئات.
اختيار أزواج وزوجات من البلد الأم يثير تساؤلات كثيرة، هل هو إحجام عن الاندماج والاختلاط بنسبة ما أو محاولة للحفاظ على الهوية والخشية من ذوبانها، أم لعله رد فعل على العولمة والإسلاموفوبيا، وما هو مؤدى كل هذه التفسيرات؟ هل هو انضواء في مجتمعات ضمن المجتمع وعزل بطريقة ما مبرر أم غير مبرر، فرنسا مثلاً تعرف بمجتمعاتها المصغرة للمهاجرين من أفريقيا وغيرها، الأتراك في ألمانيا، الأفارقة والأسيويون في أميركا، والمسلمون في بريطانيا، فالمسألة تتعدى زيجة من البلد الأم إلى انتماء مجتمعي وهوية ومسار حياة يورث للأجيال اللاحقة ويبنى عليه ذهنية ومواقف من السياسة والمجتمع وثقافة البلاد وقراراتها وقوانينها.
أخيراً الزواج أو الارتباط شراكة إنسانية وعلاقة بناء لأسرة وتربية جيل في مجتمع ما وهي استمرارية لمسير الحياة البشرية وطبيعة التكوين ولكن يحدث أن يكون لخياراتنا ومواقفنا ووجهات نظرنا من تلك الاختيارات أن تتعدى تلك التجربة لأبعاد هوياتية وثقافية وأفكار جمعية وتحفظ وامتناع عن الاندماج والخشية من الذوبان في مجتمعات الاغتراب أو على العكس انفتاح وجرأة وإقبال نحو الانخراط في مجتمع جديد والاندماج في دولة تضمن الحقوق والمساواة ويترك للجميع فروقاتهم الفردية وحرياتهم.