الرواية والعيوب النسقية للشعر
مَثل الشعر ديوان العرب لقرون مديدة وبقي محافظًا على مكانته بوصفه موئل علمهم ومنتهى أدبهم وديوان مآثرهم وسجل أيامهم ووقائعهم، وقد بقي محافظًا على مكانته بوصفه الفن الأدبي الأول عند العرب سواء في أيام جاهليتهم أو العصور الإسلامية اللاحقة.
كانت القبائل العربية كما أورد ابن رشيق القيرواني "إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصُنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذبٌّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم"، وبغض النظر عن مدى صحة كلام ابن رشيق فإنه يدل على أنّ الشعر لم يكن مجرد فن أدبي عابر وإنما كان ظاهرة اجتماعية ذات دلالات سياسية وفكرية عميقة.
في دراسته الموسومة "النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية" يسلط عبد الله الغذامي الضوء على العيوب النسقية للشعر العربي محاولا كشف ما يضمره من أنساق وقيم تتوارى خلف قناع البلاغة العالية واللغة الشعرية الجزلة، ومن هذه القيم التي رسخها الشعر الاعتداد المسرف بالذات واحتقار ما سواها فأصبح الشعر أداة للشتم والنيل من الخصوم، والشاعر مُهاب الجانب لهذا السبب، وهي الحالة التي عبر عنها المتنبي بجملته الثقافية الشهيرة "عداوة الشعراء بئس المقتنى"، فالشاعر تحول لفحل يهزم الخصوم ويتجنبه الجميع وهذا ما مهد فعليا لبروز الطاغية بوصفه التجسيد العملي لفحولة الشاعر الذي كان يكتفي بالكلام.
في المجمل يمكن تلخيص عيوب النسق الشعري بكونها أعلتْ شأن الذات واحتقرتْ المنافسين وأنها سربت كل القيم العدائية واللامنطقية بشكل مضمر تحت عباءة الخطاب البلاغي المنمق، ومهدت الطريق لبروز نزعة الطغيان في المجتمعات العربية، كون الطاغية هو التجسيد العملي لما عجز الشاعر الفحل عن تحقيقه، وأنها من جانب آخر قد حولت الفن الشعري لأداة للتكسب عبر المدح، فابتعد الشعر عن الجمهور وأصبح وسيلة الشاعر للتقرب من أرباب السلطة.
على صعيد منفصل، ومع بداية القرن العشرين بدأت الرواية العربية بالظهور والبروز آخذة بسحب البساط شيئا فشيئا من الشعر حتى عدّها البعض "ديوان العرب في العصر الحديث"، فهي الجنس الأدبي الأول والأكثر قراءة ومتابعة.
وبإمكاننا ملاحظة أنّ بداية الرواية في كلا من الأدبين الغربي والعربي كانت صعبة وعسيرة وقد كافح الروائيون الأوائل كثيرا لنيل الاعتراف بجنسهم الأدبي الجديد، وواجه هذا الجنس هجمات شرسة ليس أقلها وصف الناقدة الفرنسية مارت روبير له بأنه "جنس طارئ طارف في الأدب، عامي ترقى فصار مستبدا كأنه انتهازي بل مغامر، كان في مرتبة جنس قاصر منبوذ فصار قوة لا نظير لها على الأرجح".
ولم يكن حال الرواية العربية في بدايتها بأفضل من نظيرتها الغربية، ولعل من نافلة القول الإشارة لكون أول رواية عربية استلهمت خصائص وسمات الرواية الغربية قد صدرت عام 1914 باسم مستعار هو "مصري فلاح"، والكلام هنا عن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، الذي آثر السلامة وطرح روايته البكر باسم مستعار ليسلم من النقد الذي يمكن أن يوجه له، ومن "العار" الذي قد يلحق به إذا ضبط وهو يمارس هذا الفن الحكائي الجديد غير المعترف به حينها.
على أن هذه البداية المختلفة للفن الروائي قد مهدت لاتخاذه مسارا اجتماعيا مختلفا عن الشعر، فهو لم يحظَ بالمركزية الأدبية التي حظي بها الشعر في زمن ازدهاره، ولا يتضمن طابع الارتجال والشعبية وإمكانية التوظيف في المواقف الآنية أمام ذوي السلطة كما هو حال الشعر، وبهذا نجا من الاستخدام كوسيلة مبتذلة للتكسب المباشر.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الرواية لم تستخدم كوسيلة للتقرب لذوي النفوذ وتمجيدهم والترويج لأفكارهم، ولكن هذا الاستخدام بقي محدودا بشكل عام ولم يتطور ليصبح علامة فارقة في تاريخها، كما يمكن الانتباه لملاحظة مهمة في هذا السياق وهو ظهور السينما بوصفها الفن السابع أو أم الفنون التي أضحت الحقل الجامع لأنواع متباينة منه.
والسينما في المحصلة النهائية هي الأداة المستخدمة في تجسيد الأعمال الروائية وإعطائها بُعدا مرئيا، وهي الوسيلة التي تتخذها بعض السلطات لأجل استثمار الرواية في الدعاية السياسية والأيديولوجية، ولكن هذا الاستثمار يؤدي في جانب منه إلى ضمور دور الروائي/ المبدع، وتراجعه لصالح بروز دور الممثل المُجسد للعمل والمخرج الذي أدار عملية تحويل النص لمشاهد مرئية، وهذه حالة مختلفة ومناقضة لدور الشاعر الذي كان يتولى عملية إنشاد الشعر بنفسه ويظفر بالمجد لذاته.
من جانب آخر، وبسبب الطبيعة النقدية الاجتماعية للفن الروائي لم نجد الروائيين الكبار يُعدّون في صف كُتّاب السلطة، فالروائي العربي الحائز على جائزة نوبل للأدب نجيب محفوظ لا يُعد من أقلام السلطة بأي شكل من الأشكال، وحتى الروائيين الذين تسنموا مناصب وزارية كطه حسين وغازي القصيبي وبنسالم حميش لا نلحظ في رواياتهم ميلًا للتماهي مع خطابات سلطات بلادهم أو تبرير مسلكها، بل نجد في كتاباتهم نزعة نقدية ومناقشة للقضايا الاجتماعية العامة وللأخير منهم رواية في نقد الاستبداد السياسي.
إذا ما طرحنا سؤال الفرق النسقي الجوهري بين الشاعر والروائي، أي السؤال المتعلق بمقولة "عداوة الشعراء بئس المقتنى" هل تصلح أن تقال للروائي؟ وهل عدواته كذلك بئس المقتنى، يكون الجواب بالنفي قطعا، لأن الرواية تبتعد عن التعبير المباشر والسطحي عن غرض الكاتب، وهي تمتنع عن كونها مجرد تلبية آنية لهدف أو فكرة طرأتْ على ذهن مؤلفها، والروائي ذاته لن يستطيع استخدام الرواية وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية ولا للترويج المباشر للأنا المتضخمة لديه، وإنّ حاول وفعل هذا فسيكون حصيلة عمله مجرد نصوص تقريرية يشوب جوهرها الفني الكثير من الدرن ولا يحفل بها أحد، على العكس من الشعر الذي يتيح إمكانيات واسعة للشاعر في صياغة خطاب ذاتي متضخم ينال من الخصوم عبر هجائيات مقذعة.
صفوة القول إنّ الفن الروائي وللأسباب التي ذكرناها لا يُساعد على تكوين "الروائي الفحل" على غرار "الشاعر الفحل"، لأن الطبيعة النقدية للرواية ومحددات هذا الجنس الروائي الكتابي جعلا الروائي مقيدا في استثمار الرواية في هذا المجال، ويمكن الانتباه إلى أن ما اصطلح على تسميته بالكاتب النجم يتضمن معطيات مناقضة للعيوب النسقية للشعر العربي التي حددها الغذامي، فالكاتب النجم وأعني الروائي تحديدا، يستمد شرعيته الفنية ومدى مقبوليته من الجمهور ويوظف فنه لا لادعاء تفرده وتفوقه عليهم، بل للتعبير عن قيمهم وأفكارهم وتجسيد أزماتهم الاجتماعية، ومن جهة ثانية فإن عصرنا الحاضر، عصر الصورة والاحتفاء بها، جعل أصحاب الفن الكتابي يقبعون في الظل، وغالبا ما يعلمون بصمت لتقديم المادة الخام القابلة للتحول لصورة، وندر أن نجد بينهم من يبرز متفوقا على أصحاب الفن "الصوري".