آفاق الدراما الدينية والتاريخية

31 January 2026
فيلم "الرسالة" أنتج بنسختين وكان عملا دراميا مميزا (وسائل التواصل)
فيلم "الرسالة" أنتج بنسختين وكان عملا دراميا مميزا (وسائل التواصل)
khaldania@yahoo.com
د. محمد قسم الله محمد ابراهيم
تابع الكاتب عبر :

تذخر مكتبة الإنتاج الدرامي العربي بقائمة طويلة من كلاسيكيات الأعمال الفنية الدينية والتاريخية الرصينة، التي تركت انطباعا موجباً وعميقاً لدى جمهور المشاهدين ليس في المحيط العربي فحسب، بل في المحيط العالمي ككل، مما أسهم بدرجة لا يستهان بها في بث وترسيخ أدبيات وآداب الثقافة الإسلامية والعربية بين دول العالم.

لم تكن تلك الكلاسيكيات في الدراما العربية محض مسلسلات وأفلام تجارية كما غدا الحال في السنوات الأخيرة، لكنها كانت أعمالا تقدم مادة علمية كثيفة المحتوى تخدم التعريف بالتاريخ الإسلامي والعربي بكل عظمته ومكارمه.

الشاهد أنّ المقارنة تكاد تنعدم تماماً بين ما كانت تقدمه الدراما العربية للمتلقِّي بالأمس القريب، وما أصبح عليه الحال اليوم من تدني ملحوظ في المحتوى وجودة الصنعة، ولا تنسى الذاكرة الجمعية للمشاهد العربي وعلى مستوى العالم مجموعة من الأعمال الفنية الكبيرة والهادفة، بل التي يمكن أن نسميها مدارس مفتوحة من حيث تقديم المادة العلمية بثوب درامي راقي، منها المسلسل التاريخي الفتوحات الإسلامية الذي أنتجته المملكة العربية السعودية بالاشتراك مع مصر في العام 1981م وهو من الأعمال الدينية الهامة وتناول فتوحات الرسول للبلدان ونشر الإسلام وتعاليمه الفاضلة فيها.

والسعودية نفسها لها مبادرات رائدة في الإنتاج العربي والتاريخي مثل مسلسل "الفارس الحمداني" إنتاج العام 1969 من التلفزيون الحكومي بالرياض وهو ناطق بالعربية الفصحى، وذو قيمة فنية انتبهت للتراث العربي مبكراً. ومن الأفلام التاريخية الهامة كذلك الفيلم العربي "فجر الإسلام" لمؤلفه عبد الحميد جودة السحار في العام 1971م وهو كاتب معروف بكتابة السيرة النبوية والدراسات الإسلامية وقد ناقش الفيلم بداية ظهور الإسلام وصراع الجيل الجديد المتطلع لقيم الحق والجيل القديم الخاضع للتقاليد الموروثة.

وهنالك أيضاً الإنتاج الدرامي التاريخي الإسلامي الضخم لفيلم "الرسالة" وهو إنتاج ليبي مصري 1976، من إخراج مصطفى العقاد وهو مخرج سوري أمريكي الجنسية، والفيلم من نسختين في نفس التوقيت أحداهما عربية بطولة الممثل المصري عبد الله غيث والأخرى إنجليزية قام بالدور الرئيسي فيها أنطوني كوين، وترك الفيلم انطباعا إيجابياً في وقته ونال حظاً وشهرة كبيرة، حيث تمت ترجمته لأكثر من 12 لغة، فتأمّل ما يمكن أن تحققه الدراما في المفاهيم الدينية والتاريخية بكل سلاسة. ومن قائمة الأفلام العربية التي تركت بصمتها في نفوس الملايين فيلم "الشيماء" إنتاج 1971 ويتناول قصة النبي الرضيع في ديار بني سعد والشيماء أخت الرسول وانتشار الدعوة الإسلامية.

فيلم "هجرة الرسول" إنتاج الستينيات، هو كذلك من الأعمال التاريخية التي ناقشت حياة العرب في مكة وظهور الدعوة الإسلامية وهجرة الرسول إلى المدينة المنورة، وقدم الفيلم صورة نمطية لا تزال راسخة بالأذهان عن المشركين وفي مقدمتهم أبي لهب وأبي جهل، كما قدم مادة تاريخية ودينية ثرية جداً عن تلك الفترة المفصلية في تاريخ الإسلام.

من الأعمال الدرامية في عهد الإنتاج الدرامي الذهبي المسلسل الديني "محمد رسول الله"، وهو من خمسة أجزاء كبيرة إنتاج حقبة نهاية السبعينيات، يروي قصة عدد من الأنبياء ابتداء من النبي إبراهيم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين الرسول محمد، ويحتوي مادة دينية وتاريخية كبيرة وسهلة الفهم للمشاهد مقتبسة من القصص الإسلامية.

من الأعمال الدرامية التي لا تُنسى في ذهن المشاهد العربي "عمر بن عبد العزيز" و"أبي حنفية النعمان" و"عمر المختار" و"جمال الدين الأفغاني" و"الإمام الشعراوي"، وهي تروي أقاصيص وسير ذاتية وأعلام لهم تأثيرهم في الوجدان العربي والتراث الإسلامي السابق والمعاصر.

حتى الأعمال الدرامية العادية كانت أو آنذاك تقدم مادة تخدم قيم المجتمع وتماسكه قبل "طوفان العري" الذي اجتاح الدراما مؤخراً حتى في مسلسلات رمضان، وهو أمر يجب أن تنتبه له قنوات الإنتاج الفني لمراعاة قيمة شهر رمضان الذي بات والحال هكذا وللأسف، مضماراً للسباقات في إنتاج الغث والهزيل واجتذاب المشاهد كيفما اتفق.

سابقاً كنا نرى دراما عالية المستوى أو فلنقل تعليمية مثل "بائع العصافير" بطولة بابا عبده عبد المنعم مدبولي، كان عملاً رصيناً بث مبادئ سلوكية وتربوية وتعليمية بين النشء ذلك الوقت في الثمانينات حين تم إنتاجه، ولعلنا نذكر حتى اليوم البرنامج الضخم "افتح يا سمسم"، الإنتاج المشترك لدول الخليج العربي، وهو برنامج تعليمي تثقيفي محكم، ولا أظن أنّ أحداً من أطفال الثمانينيات والتسعينيات وبداية الألفية لا يتذكر نعمان وأنيس وبدر وغيرهم، من شخصيات المسلسل المشهور في الوطن العربي، فأين ما كان من ذلك الجهد المشكور وما يدور اليوم في كواليس الدراما التجارية هنا وهناك.

ومن أيقونات الدراما التاريخية المسلسل الإذاعي المصري "ألف ليلة وليلة" من إنتاج سنوات الستينيات، وهي سرديات عربية قديمة مزيج بين النوستالجيا والفانتازيا، استمرت 26 عاماً وفيها براعة الحكي وجاذبيته، لكنها لا تخلو من التعريف ببعض الميراث العربي في وجوه متعددة، ومن أشهر سرديات "ألف ليلة وليلة" "علاء الدين والمصباح السحري"، و"على بابا والأربعين لصاً"، ورحلات السندباد البحري السبع، وغيرها من القصص ذات الطابع العربي بأبعاده التاريخية والثقافية والدينية والقيمية.

المسلسلات الرمضانية لم تكن فريسة للابتذال الذي صار فيما بعد سمةً ملازمة على النحو المسيء الذي نراه في السنوات الأخيرة، كانت الدراما الرمضانية تحرص على الإنتاج الديني والتاريخي بما لا يجرح مشاعر الصائمين والمشاهدين عموماً، وكانت المادة المقدمة تحرص على إضافة قيمة للمجتمع ولذلك كانت تترك أثرها البائن في الذاكرة الجمعية، حتى بعد الموجة التي ابتدرتها الدراما السورية وتبنتها القنوات العربية في دراما الفانتازيا مثل "الجوارح" و"الفوارس" و"الكواسر" وغيرها، فيها إسقاطات للواقع العربي بكل ما فيه من فضائل الفروسية والفراسة والشجاعة والشهامة، وغيرها من الدراما الخليجية الاجتماعية ومنها السلسلة السعودية "طاش ما طاش". 

وربما كانت هذه الموجة هي آخر ما قدمته القنوات العربية وتركت أثراً تربوياً وتعليمياً وقيمياً في نفوس المشاهدين بالإضافة للتاريخ التراكمي للدراما التاريخية الإسلامية والعربية ودورها التثقيفي في المقام الأول، بعدها تم ابتذال المجال بواسطة أعمال درامية اجتماعية قاصرة المحتوى، متشابهة في تفاصيلها غير الواقعية، بل أشاعت كثير من القيم السلبية بين فئات المجتمع، وغابت تماماً تلك الدراما الرسالية الملتزمة بأدوات الجودة والتي طالما أسهمت في بناء وعي المشاهد العربي بل ونافست في المحافل الدولية لتزيل الكثير من التغبيش الذي ألحقه بعض المستشرقين عمداً بتاريخ العرب والمسلمين.

آن الأوان لكي تنهض الدراما العربية والتاريخية والإسلامية من كبوتها لتعود لمنصة التأسيس وهذا لن يكون مواتياً إلا بدعم التلفزيونات الرسمية والإنتاج العربي المشترك كما كان في السابق الزاهر ،وأن لا ينسحب الجميع تاركين المجال لدراما المقاولات الرخيصة.