الإنسان بين البصر والبصيرة

29 يناير 2026
البصيرة قدرة فطرية قد تمكن الإنسان من إنجازات كبيرة (وسائل التواصل)
البصيرة قدرة فطرية قد تمكن الإنسان من إنجازات كبيرة (وسائل التواصل)
daahnoonabd63@gmail.com
عبد الرزّاق دحنون
تابع الكاتب عبر :

يمكن للإنسان التغلب على العديد من التحديات من خلال تحليلها خطوة خطوة، على طريقة وزير الخارجية الأمريكي الأشهر هنري كيسنجر، لكن قفزات البصيرة، قوَة الإِدراك والفطْنة، النظرٌ النافذ إلى خَفايا الأُمور، ذو بَصيرة وبُعْد نظر، غالبًا ما ترتبط بأفكار خارج الصندوق. 

ورغم أن الاكتشافات غالبا ما تكون واضحة عند النظر إليها بأثر رجعي، إلا أنها قد تكون مذهلة عندما تكشفها البصيرة. لقد سعى العلماء إلى التقاط جوهر اللحظة الغامضة، وجدتها، لأكثر من قرن من الزمان، والآن أصبح في متناول أيدينا، نحن نعلم الآن أين يحدث ذلك في الدماغ ومتى يكون من المرجح أن يحدث، ونحن نكتشف بعض الفوائد المدهشة للبصيرة، بما في ذلك تحسين الحالة المزاجية والذاكرة، ومن الغريب أيضاً بأنها تمنحنا القدرة على التمييز بين الأخبار المزيفة والحقيقية.

في إحدى أمسيات عام 1951، كان عالم الفلك الأمريكي ويليام ويلسون مورجان عائداً إلى منزله من مرصد "يركس"، هو مرصد فلكي يقع في خليج ويليامز بالولايات المتحدة، وتم تشغيله من قبل قسم علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو منذ تأسيسه في عام 1897، كان مورجان ينظر إلى السماء ليلاً فخطر في باله وميض عبارة أرخميدس: وجدتها، وقد حل هذا الوميض أحد أعظم ألغاز علم الفلك.

يحتوي الكون المرئي على مليارات وربما تريليونات المجرات، وباستخدام تلسكوب متواضع، يمكن تمييز أشكالها المتنوعة الحلزونية والإهليلجية وغيرها، من المجرات ذات الهياكل غير المنتظمة. ولكن ماذا عن مجرتنا، درب التبانة؟ 

كان مورجان يحسب المسافات بين مجموعات من النجوم الكبيرة والساخنة والمشرقة، والتي تسمى اليوم بمجموعات النجوم الثنائية الأبعاد، وبين الأرض. وكان يعلم أن هذه المجموعات في المجرات الحلزونية توجد في الأذرع الخلفية. 

وبينما كان ينظر إلى السماء أثناء سيره عائداً إلى المنزل، حدد موقع النقاط المألوفة لمجموعات النجوم الثنائية الأبعاد. ولكن هذه المرة اندمجت الصورة المسطحة للسماء الليلية في ذهنه مع مسافات النجوم التي حسبها وحفظها في ذاكرته، وظهرت مجرة درب التبانة  ثلاثية الأبعاد. وكانت رؤية مورجان : إن مجموعة النجوم الثنائية الأبعاد مرتبة في خيط طويل على ذراع من مجرتنا الحلزونية. إن لحظة وجدتها، مثّلتْ رؤية مورجان الرائعة بأن شكل درب التبانة حلزوني

إن مثل هذه الاكتشافات تبدو ممتعة، بل ومثيرة، وقد تكون بمثابة بوابات لاختراق علمي، أو اقتراح عمل مبتكر، أو أغنية ناجحة، أو حبكة رواية رائجة، أو قد توفر منظورا يغير الحياة لمعضلة شخصية. 

يُقال إن أرخميدس عندما أدرك أن جسما يزيح حجما من الماء يساوي حجمه، وبينما كان يغتسل شاهد الماء يخرج من الحوض بمجرد دخوله فيه فأدرك أنه وجد الحل فخرج عارياً إلى الشارع وهو يصيح وجدتها

لعل الدرس العلمي الأكثر أهمية بشأن البصيرة هو أنها هشة بقدر ما هي مفيدة، فاللحظة التي تدرك فيها الحقيقة تجلب أفكاراً ووجهات نظر جديدة، وترفع الحالة المزاجية، وتزيد من القدرة على تحمل المخاطر، وتعزز القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، ولكن القلق والحرمان من النوم يمكن أن يسحقا هذه الهدايا الثمينة. 

إن الطلب المستمر من جانب المجتمع الحديث على الإنتاجية والسرعة يحرم البصيرة من الوقت والفرصة لإحداث العجائب بوتيرتها الخاصة، ورغم ذلك، يتعين علينا أن نتذكر قيمة وقوة البصيرة والظروف التي تشعلها، وكما يظهر لنا الإلهام الكوني الذي توصل إليه عالم الفلك الأمريكي مورجان، فإن السماء هي الحد عندما يتعلق الأمر بلحظات الإلهام.