"الطائفية الإنسانية" في سوريا

04 February 2026
hythamalsdyan@gmail.com
هيثم علي الصديان
تابع الكاتب عبر :

كثيرة هي الأحداث في سوريا، وتتعدد فيها المفاجآت والمفارقات المستغربة إلا في بلدان تعيش حالتها، ومن هذه المفارقات ما يمكن أن يوصف بأنه "طائفية إنسانية"، ولا نقول إنها إنسانية طائفية؛ لأن الأصل فيها هو الطائفية لا الإنسانية، وإنما الإنسانية هي لاحقة إضافية ولبوس شكلي يخفي تحته تجسيداً طائفياً مؤلماً. 

في ذروة المجريات الراهنة التي تتدفق في الحياة السورية وتغذي بيئتها السياسية والاجتماعية وما يرافقها من صراعات عسكرية، في ذروة ذلك الواقع تبرز ظاهرة إنسانية يعلن أصحابها أنها لا تساند أي طرف ويستنكرون الانحياز، وإنما يكثرون من التذمر ويضيقون ذرعاً ومآلاً بما يحيط بهم ويتحوّطهم من مشاهد وأخبار وصور عن انتهاكات ومظالم ومجازر وجرائم اغتيال وخطف وما شابهها من شائنات.

هذا الطرف قد يقلب خطابه إلى مأتم وفاجعة إذا رأى كلمة نابية يشتم بها أحدُهم، وقد تراه ينظم بياناً بلاغياً تتزاحم به الصور البيانية والمحسنات البديعية في حادثة مرورية عابرة كانت نتيجةَ رعونةِ طرف على آخر، وقد يفتح صفحته للتعازي ثلاثة أيام إذا قُتل مواطن في قرية أو ناحية لم يزر محافظتها يوماً في حياته. 

هذه ظاهرة إنسانية تليق ببلد يريد شعبه وأهله أن يعيشوا بسلام وأمان وطمأنينة وجود وكرامة حياة، وهي ظاهرة تليق بإنسانية الإنسان وبوجوده الحضاري الراقي؛ بيد أنك لو أجريت إحصاء تقريبياً، فستجد أن ثمة تصنيفات تفرض نفسها عليك في نهاية إحصائك، وهنا ستجد نفسك أمام ظاهرة موهمة بالإنسانية ولكنها في جوهرها هي ظاهرة طائفية تشكّل الوجه الآخر للطائفية الفجّة أو الظاهرة، بل يمكن جعلها مساندة لجرائم القتل الطائفي وداعمة لها. 

هذه الظاهرة عند رصدها يمكن أن تختصرها بأنها التفجّع على مصاب طرف محدّد؛ أي إن الألم والأسى والحزن والاستنكار هي مشاعر وتعابير لا تكون على قدر المصاب وحجم الحادثة، وإنما على حسب الطرف المجني عليه أو الجاني. فلو كان ثمة حدثان: أحدهما قتل، والآخر إساءة لفظية شخصية، فأنت تستطيع أن تعرف أي الحدثين سيثير الاهتمام من خلال معرفة جهتي المتأثر الإنساني والجاني أو المجني؛ بل ستجزم، من تحديدك لهويات الحدث: الجاني، والمجني عليه.

سيولول "المتفجع الإنساني" ويبكي على مصاب الشتيمة الأخلاقية أو اللفظية، من دون أن يكترث لحدث القتل. وهذا لا يعني أن حدث القتل سيمر عند غيره كما مر بسلام وسكينة، وتسللَ من أمام عيون ضمير المتفجع الأول، إذ لا بد من أن هناك متفجعاً آخر سيبكي هذا الحدث، ليس لأنه حدث فاجع، بل لأنه مرتبط بهويات مخصوصة تثير فيه إنسانيته، وهذا نفسه كان سيفجعه حدث التعدي اللفظي لو وُجدت له هوياته التي تؤهله لمقام الإنسانية العالي المرهف. 

وهذا الأمر لا يشمل المشتغلين بالشأن السياسي، ولا أصحاب التوجهات الحزبية أو الأيديولوجية، ولا حتى الفكرية أو الثقافية، فيسعون إلى دعمها أو يتأثرون بها. وإنما هؤلاء الذين يرفضون أن يحسبوا على طرف أو جهة ما، بل هم أكثر من غيرهم زعماً بتبني الخيار الوطني الجامع، وبالتزام الحضور المدني المسالم والداعي إلى توجّه إنساني حضاري يليق بمتطلبات الحضور العصري، وهذه ظاهرة لا إنسانية، ولكنها طائفية كغيرها من وجوه الطائفية البغيضة، والطائفية بغيضة مهما تسربلت بأي سربال جميل، ولو كان سربال الإنسانية.