"شارع شريان الحياة"

14 يناير 2026
بلدة العيزرية الفلسطينية خلف الجدار الفاصل الإسرائيلي (رويترز)
بلدة العيزرية الفلسطينية خلف الجدار الفاصل الإسرائيلي (رويترز)
rasembisharat@gmail.com
دكتور راسم بشارات
تابع الكاتب عبر :

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وجغرافية شديدة الخطورة، أبلغت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بلدية العيزرية وعددًا من التجمعات البدوية المحيطة بها بنيّتها البدء، خلال مدة لا تقل عن خمسة وأربعين يومًا، بتنفيذ مشروع شارع استيطاني أطلقت عليه الإدارة المدنية اسم "شارع شريان الحياة"، غير أن هذا المسمّى، الذي يوحي بطابع إنساني أو تنموي، يخفي خلفه مشروعًا بنيويًا بالغ التأثير، يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي شرق القدس المحتلة، بما يخدم أجندة استيطانية طويلة الأمد على حساب الوجود الفلسطيني، ويؤسس لمرحلة جديدة من فرض الوقائع على الأرض.

الخرائط التفصيلية والمعطيات الميدانية التي حصلت عليها منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو تكشف أن الشارع الذي تعتزم سلطات الاحتلال تنفيذه يبدأ من منطقة المشتل في أقصى شرق بلدة العيزرية، ويمتد وصولًا إلى حاجز الزعيم العسكري، بمحاذاة مباشرة للمنازل الفلسطينية والأراضي الزراعية المحيطة بها. ويُظهر هذا المسار أن اختيار موقع الشارع لم يكن عشوائيًا أو ذا طابع خدمي، بل صُمّم بعناية ليُلامس التجمعات السكانية الفلسطينية ويعيد رسم حدودها الفعلية على الأرض.

ولا يقتصر تأثير هذا المسار على كونه طريقًا التفافيًا جديدًا، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة أكثر عمقًا تتمثل في فصل تجمعات جبل البابا ووادي جمل ووادي الحوض عن بلدة العيزرية، وتحويلها إلى جيوب جغرافية معزولة. ووفقًا لتقديرات ميدانية، فإن هذا العزل يمهّد للسيطرة التدريجية على الأراضي التي تشكّل الامتداد الطبيعي والعمراني الوحيد للبلدة شرقًا، بما يحرمها من أي إمكانية للنمو المستقبلي.

تشير القراءات السياسية والميدانية المتقاطعة إلى أن ما يُسوَّق تحت مسمّى "شارع شريان الحياة" لا يمكن التعامل معه كمشروع بنية تحتية مستقل أو ذي طابع خدمي، بل باعتباره حلقة تمهيدية أساسية في مسار تفعيل مشروع E1 الاستيطاني الذي تعمل إسرائيل على فرضه منذ سنوات رغم المعارضة الدولية الواسعة والتحذيرات من تداعياته الخطيرة. ويهدف هذا المشروع، وفق المخططات الإسرائيلية، إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بمدينة القدس المحتلة، وإحاطتها بحزام استيطاني متكامل يعزلها كليًا عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، في انتهاك صريح لقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرار 2334، الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 ويدعو إلى وقفه الفوري.

ويهدف مشروع E1، وفق المخططات الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة، إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بمدينة القدس المحتلة، وإحاطتها بحزام استيطاني متكامل، بما يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي بين القدس وبقية مناطق الضفة الغربية. ولهذا السبب، يُنظر إلى المشروع على نطاق واسع باعتباره الضربة القاضية لما تبقّى من حل الدولتين، إذ يقوّض الأساس الجغرافي لأي دولة فلسطينية مستقبلية.

والأخطر من ذلك، أن تنفيذ هذا الشارع، وما سيستتبعه من بنى تحتية وشوارع استيطانية إضافية، سيؤدي عمليًا إلى تفتيت الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة: كانتون شمالي يضم رام الله ونابلس وجنين، وآخر جنوبي يضم بيت لحم والخليل، مع غياب أي تواصل جغرافي حقيقي بينهما. ويعني هذا الواقع تحويل المدن والتجمعات الفلسطينية إلى معازل مغلقة، تخضع لحركة مرور خاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، بما يهدد حرية الحركة ويقضي على مقومات الحياة الطبيعية.

ومع الشروع في تنفيذ هذا المشروع، ستدخل بلدة العيزرية مرحلة جديدة من الحصار الجغرافي المركّب، إذ سيُطبق عليها طوق محكم من مختلف الجهات: الجدار الفاصل من الغرب، والشارع الاستيطاني الجديد من الشرق والشمال، إلى جانب منظومة من الحواجز العسكرية التي تتحكم فعليًا في مداخلها ومخارجها، وتعيد تعريف حركة السكان وفق اعتبارات أمنية إسرائيلية.

ويعني هذا الواقع، عمليًا، تحويل العيزرية إلى جزيرة معزولة ومغلقة، بلا أي أفق للتوسع العمراني أو الزراعي، في منطقة تُعد من أكثر مناطق الضفة الغربية اكتظاظًا بالسكان. ويحذّر مختصون من أن هذا الخنق الجغرافي سيقود خلال سنوات قليلة إلى أزمة مركّبة، تتجلى في تفاقم أزمة السكن، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فضلًا عن آثار اجتماعية طويلة الأمد تهدد استقرار المجتمع المحلي برمّته

وفي قلب هذا المخطط، تقف التجمعات البدوية في جبل البابا ووادي جمل بوصفها الضحية الأولى والأكثر هشاشة. فمنذ سنوات، تواجه هذه التجمعات سياسة تضييق ممنهجة تتجلى في أوامر هدم متكررة، ومنع للبناء والخدمات الأساسية، ومحاولات تهجير قسري غير معلن يُمارس عبر الضغط المتراكم، حيث تظهر المعطيات الميدانية التي وثقتها منظمة البيدر أن التجمعات البدوية الواقعة شرق بلدة العيزرية، وعلى رأسها تجمع جبل البابا وتجمع وادي جمل، إضافة إلى وادي الحوض، تُعدّ الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في هذا المخطط. فهذه التجمعات تعيش منذ سنوات تحت ضغط ممنهج يتمثل في أوامر هدم متكررة، وحرمان شبه كامل من تراخيص البناء، ومنع إدخال الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والبنى التحتية، في سياسة تهدف إلى دفع السكان قسرًا نحو الرحيل دون إعلان رسمي عن التهجير.

ويأتي الشارع الاستيطاني الجديد ليُكمل هذه الحلقة من الضغط المنظّم، عبر تطويق تجمعات جبل البابا ووادي جمل ووادي الحوض وعزلها عن محيطها الجغرافي والاجتماعي، وقطع صلتها بمصادر الرعي والحياة اليومية، ما يحوّل بقاءها في المكان إلى أمر شبه مستحيل. ويحذّر مراقبون من أن هذا المسار يعيد إنتاج نماذج التهجير القسري التي شهدتها مناطق أخرى في الأغوار والقدس المحتلة، حيث استُخدمت مشاريع البنية التحتية كأداة غير مباشرة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، تمهيدًا لإعادة توظيفها لصالح التوسع الاستيطاني.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مشروع “شارع شريان الحياة” بوصفه إجراءً عمرانيًا أو بنية تحتية معزولة عن سياقها السياسي، بل كجزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جغرافية وديمغرافية جديدة على الأرض، تتناقض جوهريًا مع أسس الحل السياسي القائم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. فالمشروع، بما يحمله من عزل للقدس عن محيطها الفلسطيني وتفتيت للضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، يقوّض عمليًا إمكانية تطبيق حل الدولتين، ويحوّله من خيار قابل للتحقق إلى إطار نظري فاقد لأي أساس جغرافي.

وعلى الصعيد القانوني، يندرج هذا المشروع ضمن سلسلة من الانتهاكات الصريحة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، التي تحظر على قوة الاحتلال إجراء تغييرات دائمة في الأراضي المحتلة أو نقل سكانها أو توطين سكانها المدنيين فيها. كما أن استخدام مشاريع البنية التحتية كأداة للسيطرة والعزل والتهجير غير المباشر يضع هذا المخطط في دائرة المساءلة القانونية الدولية، باعتباره مساهمة فعلية في تكريس نظام استيطاني غير مشروع.

أما التجمعات البدوية في جبل البابا ووادي جمل ووادي الحوض، فتقف في واجهة هذا الخطر بوصفها الهدف الأكثر تعرضًا للتداعيات المباشرة، إذ يهدد المشروع وجودها ذاته عبر خنقها جغرافيًا وحرمانها من مقومات الحياة الأساسية، بما يدفع نحو تهجيرها القسري تحت ضغط الواقع المفروض. ويعني نجاح هذا المخطط فتح الباب أمام تكرار النموذج ذاته في تجمعات بدوية أخرى، ما يشكّل تهديدًا واسع النطاق للوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة  (سي)، ويضع مستقبل هذه التجمعات، ومعها فرص العدالة والسلام، أمام مفترق طرق بالغ الخطورة.