المرأة الأفغانية في حكم طالبان
لم تكن عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان مجرد تحول سياسي في بنية السلطة، بل شكلت انقلابا جذريا في حياة النساء، أعادهن عقودا إلى الوراء، وألغى ما تحقق لهن، ولو جزئيا، من حضور اجتماعي وتعليمي ومهني. فمنذ الأيام الأولى، اتضح أن المرأة ستكون الخاسر الأكبر في معادلة الحكم الجديدة، وأن جسدها ووجودها سيستخدمان مجددا كساحة لإثبات “الهوية” وفرض السيطرة.
فرضت طالبان سلسلة من القيود المتلاحقة التي طالت كل تفاصيل حياة المرأة، منها إغلاق المدارس الثانوية والجامعات أمام الفتيات، منع العمل في معظم القطاعات، تقييد الحركة دون محرم، حظر الظهور في وسائل الإعلام، وحتى فرض أنماط محددة من اللباس والسلوك.
لم تعد هذه الإجراءات قرارات متفرقة أو ردود فعل ظرفية، بل تحولت إلى سياسة دولة تدار بعقلية الإلغاء لا التنظيم. المرأة الأفغانية لم تقص فقط من المجال العام، بل جرى تفريغها من دورها الاجتماعي والاقتصادي، لتتحول إلى كائن غير مرئي، محصور داخل الجدران، بلا صوت ولا خيار. وهذا الإقصاء لا ينتج فقط ظلما فرديا، بل يعيد تشكيل المجتمع بأكمله على أساس الخوف والطاعة.
منذ عودة طالبان إلى الحكم، تحولت حياة المرأة الأفغانية إلى سلسلة متواصلة من الحظر المنهجي؛ حظر على التعليم، والعمل، والتنقل، وحتى الوجود في الفضاء العام. لم تعد القيود استثناء أمنيا مؤقتا، بل سياسة ثابتة تعيد النساء إلى هامش المجتمع، وتجردهن من أبسط حقوقهن الإنسانية تحت غطاء ديني وسياسي.
الأخطر من القوانين نفسها، هو الصمت الدولي المتزايد. فبعد موجة إدانات أولى، خفتت الأصوات، وتراجعت الضغوط، وكأن المرأة الأفغانية أصبحت ملفا مرهقا على أجندة العالم. انشغلت القوى الكبرى بأزمات أخرى، بينما تركت ملايين النساء لمصير معزول، بلا تعليم، بلا عمل، وبلا أفق.
هذا النسيان لا يعني الحياد، بل يترجم عمليا إلى تواطؤ غير مباشر. فغياب الضغط الحقيقي يمنح طالبان مساحة أوسع لترسيخ سياساتها، ويبعث برسالة قاسية مفادها أن حقوق النساء يمكن تأجيلها أو التضحية بها حين تتعارض مع الحسابات السياسية. المرأة الأفغانية اليوم لا تواجه فقط سلطة تحظرها، بل عالما يشيح بوجهه عنها. وبين الحظر الداخلي والنسيان الدولي، تختصر معركة الوجود النسوي في أفغانستان إلى سؤال واحد: كم من الوقت يستطيع العالم أن يبرر صمته؟
حرمان المرأة من التعليم لا يعني فقط إغلاق المدارس، بل إغلاق المستقبل. فجيل كامل من الفتيات يعيش اليوم في حالة انتظار قسري، بلا أفق معرفي أو مهني. ومع غياب فرص العمل، أصبحت آلاف الأسر الأفغانية أكثر هشاشة، خاصة تلك التي كانت تعتمد على دخل النساء في القطاعات الصحية والتعليمية والإنسانية. النتيجة هي دائرة مغلقة من الفقر، والزواج القسري، والاعتماد الكامل، ما يعيد إنتاج التبعية جيلا بعد جيل، ويقضي على أي فرصة لبناء مجتمع متوازن أو اقتصاد مستقر.
رغم القمع، لم تختف إرادة النساء بالكامل. ظهرت مبادرات تعليم سرية، ومحاولات للتعلم عبر الإنترنت، وأصوات نسوية في المنفى تحاول إبقاء القضية حية. لكن هذه المقاومة، في ظل غياب الدعم والحماية، تظل محدودة التأثير، ومعرضة للقمع في أي لحظة. فالمرأة الأفغانية لا تحتاج فقط إلى شجاعة فردية، بل إلى مظلة دولية حقيقية تحمي حقها في الحياة والتعليم والعمل، لا إلى بيانات موسمية سرعان ما تنسى.
وضع المرأة الأفغانية بعد طالبان ليس مأساة محلية، بل اختبار أخلاقي للعالم بأسره. فالتعامل مع حقوق النساء كملف قابل للتأجيل أو المساومة يعني القبول بمنطق الإقصاء، وشرعنة تحويل نصف المجتمع إلى رهينة للسلطة. القضية لم تعد سؤالا عن طالبان وحدها، بل عن عالم يملك القدرة على الضغط، ويختار الصمت. وبين سلطة تحظر ومجتمع دولي ينسى، تظل المرأة الأفغانية عالقة في معركة وجود لم تخترها، لكنها تجبر على خوضها كل يوم.