الحضارة الإسلامية في "غزني"
تعد "غزني" أشهر المدن التراثية الإسلامية في العالم، وتحتل الولاية التي تحمل اسمها مكانة عريقة في الحضارة الإسلامية منذ عهد الغزنويين بين القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، حيث صارت قبلة للعديد من العلماء والشعراء والأدباء والفقهاء ومهرة الصناع والفنانين، وتتمتع الولاية بمكانة مهمة أيضا في العصر الحديث.
تقع "غزني" في منحدر مرتفعات "سفيد كوه" التي تمتد باتجاه الجنوب، وتقع أطلال المدينة القديمة عاصمة الدولة الغزنوية على مسافة 5 كيلو مترات من المدينة الحالية، وقد تمتعت بأهمية بالغة منذ القرن الثالث وحتى السادس الهجري، لها عدة مسميات منها (غزني، غزنة، غزنين).
أصبحت "غزني" حاضرة الغزنويين 366هـ - 977 م. وتعد الآن إحدى المحافظات الكبيرة في أفغانستان، وتعتبر التالية بعد كابل من حيث كثافة السكان، وكان يزدان بلاطها في عهد الدولة الغزنوية (من 366 إلى 598هـ ) بالعلماء والأدباء والشعراء والمفكرين من كل أنحاء العالم الإسلامي، منهم على سبيل المثال لا الحصر: ابن سينا- البيروني– الفردوسي – سنائي الغزنوي – البيهقي – أبو الفتح البستي – فرخى السيستاني – عنصرى البلخي – منوچهرى الدامغاني – الجرديزي – وغير هؤلاء آلاف مؤلفة تزخر بهم كتب المؤرخين والمحققين .
أولى سلاطين الدولة الغزنوية اهتماما كبيرا للعلم والثقافة، فقد شُغف السلطان محمود الغزنوي بجمع العلماء والأدباء والشعراء من كل فج. فكان السلطان محمود ومن جاء من بعده من السلاطين في "غزني" يكرمون العلماء، ويعظمون من شأنهم، وكانوا يقصدون بلاطه، فازدانت بوجودهم "غزني"، وصارت دارًا للعلوم في عصره .
جدير بالذكر أن السلطان محمود كان يغدق على العلماء والشعراء الكثير من الأموال ، فكانت أقل مكافأة له لا تقل عن "آلاف الدنانير"، حيث أطلق عليه الشعراء اللاحقين لقب " بخششگر فیلهای طلا ونقره" أي "مانح قناطير الذهب والفضة".
يشير المؤرخ الهندي "براساد" إلى أن السلطان الغزنوي يعد في نظر المسلمين مجاهدا في سبيل القضاء على الوثنية بالهند، ورغم أنه أذى شعور الهنود الديني، يذكر المؤرخ أن السلطان محمود كان زعيما بارزا من خيرة القادة والزعماء وجنديا عبقريا من الطراز الأول، اتصف بالعدالة ورعاية الفنون والعلوم، فهو "جدير بأن يعد من بين أعظم الملوك".
واهتم السلطان محمود ببناء المساجد الجامعة في كل مكان يفتحه في بلاد الهند لتقوم بدورها الثقافي في تعليم الهنود الشرائع الإسلامية، وقد ازدحمت هذه المدارس بعلماء أجلاء خدموا اللغتين العربية والفارسية .واستمر الاهتمام بالعلوم والآداب بعد وفاة محمود، وازدهرت الحياة الفكرية والثقافية في عهد خلفائه، وخاصة في عهد السلطان إبراهيم بن مسعود.
احتفاء بتاريخ ومكانة ولاية "غزني" الثقافية وما قدمته من إسهامات عظيمة في الحضارة الإسلامية، اختارتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في عام 2007 عاصمة الثقافة الإسلامية في قارة آسيا لعام 2013.
في ظل الفتوحات الإسلامية شرقاً وغرباً، انتشرت المساجد المُزدانة بالمآذن، التي تطورّت أشكالها وتنوّعت طُرزها من منطقة لأُخرى ومن عصر لآخر على مدى قرون ازدهرت فيها فنون العمارة الإسلامية.
وللمآذن مكانة هامة في البلدان الإسلامية وكذلك أفغانستان، فقد كانت تُبنى عادة لثلاثة أسباب، أولها أن المئذنة تُبنى في المسجد الذي يخطب فيه المؤذن، والثانية تُستخدم لأغراض عسكرية حيث كانت تُستخدم كمكان للمراقبة لحفظ أمن الطرقات والقوافل، والثالث هو إظهار عظمة وقوة الإمبراطوريات والملوك حيث تمثل المآذن بطريقة ما مجد وسلطة الملوك في الماضي.
وبناء المآذن في أفغانستان له تاريخ طويل وقد تم بناء العديد منها في هذه المنطقة الجغرافية في القرن السادس الهجري، وللأسباب نفسها تم بناء مآذن مدينة "غزني" القديمة لتخليد ذكرى الملوك الغزنويين ومجدهم.
منارتي "غزني"عبارة عن برجين أو مئذنتين مزينتين بشكل متقن يقعان شرق المدينة. بُنيت الأولى بأمر من مسعود الثالث (508-492 هـ) ابن السلطان إبراهيم بن مسعود بن السلطان محمود، والثانية بأمر من السلطان بهرام شاه (552-512 هـ) ابن مسعود الثالث.
تقع المئذنتان على بعد 600 متر، ويبلغ ارتفاعهما 24 متراً، تبعد المئذنة الثانية في الجزء الشرقي من مئذنة بهرمشاه 400 متر من المئذنة الأولى التي يبلغ ارتفاعها 140 قدما.
نُقشت عليهما أسماء الله واسم المهندس بالخط الكوفي، وقاعدة المئذنتين ثمانية أضلاع، أما بدن المئذنتين فهو أسطواني وقد سقط إثر وقوع زلزال ضرب البلاد عام 1276هـ، وتبعد كل منارة عن الأخرى نحو كيلومتر.
كُتب على الأولى: "بسم الله الرحمن الرحيم، السلطان الأعظم ملك الإسلام يمين الدولة وأمين المحلة أبو المظفر بهرام شاه، خلد الله تعالى ملكه". وكتب على الثانية: "بسم الله الرحمن الرحيم، السلطان الأعظم ملك الإسلام علاء الدولة والدين أبو سعد مسعود بن ظهير الدولة أمير المؤمنين إبراهيم… خلد الله ملكه".
دمر حوالي 30 في المئة من المئذنتين المزينتين مع مرور الوقت بسبب الحروب و الكوارث الطبيعية كالزلازل، وقد قام الأمير حبيب الله خان بتغطية الجزء العلوي منه بالحديد.
كان في "غزني" قصر ملكي ومسجد لكنهما اندثرا، لتكون هاتان المنارتان شاهدتين على ما وصلت إليه هذه المدينة من ازدهار. وظلّ القصر السلطاني مجهولاً، إلى أن قادت الحفائر الأثرية الأنظار إليه، فدلّت نافذة من المرمر في أعلاها تاريخ يدل على أنه بني في عهد مسعود الثالث. بُنيَ القصر من اللبن ولم يُستخدم الآجر في بنائه إلا في مواضعه المزخرفة بأشكال هندسية. كان القصر يقوم على أرضيّة مربّعة طول ضلعها 120 متراً، وكانت تحيط به أسوار في زواياها الأربع أربعة أبراج كبيرة نصف دائرية. صحن القصر في المنتصف عبارة عن أربعة أركان في كل منها إيوان. أما أرضية الصحن فكانت من المرمر. وتروي المصادر التاريخية عن وجود أعمدة من الذهب والفضة في قصور الغزنويين.
وصف البيهقي؛ أحد أبرز علماء المسلمين ومؤرخيهم، عرش الملك مسعود الأول بأنه كان من الذهب الأحمر، ركزت فيه تماثيل وصور كأغصان الأشجار وزيّنته الأحجار الكريمة بكل أنواعها المعروفة. إن ولاية غزني مثل أهل هذه الأرض، لها ذكريات مريرة مع الحرب. حيث تستطيع رؤية آثار الرصاص في معظم المعالم التاريخية في غزني التي يزيد عمرها عن 1000 عام.