عشرون دقيقة فَعَّل فيها يلتسن حقيبته النووية

04 January 2026
الرئيس الروسي بوريس يلتسن بين 1991 - 1999 (غيتي)
الرئيس الروسي بوريس يلتسن بين 1991 - 1999 (غيتي)
sameh.mabrouk.ali@gmail.com
سامح مبروك
تابع الكاتب عبر :

في تمام العاشرة والنصف من صباح الخامس والعشرين من يناير 1995، هرع لفيف من المساعدين إلى مكتب الرئيس الروسي في ذلك الوقت، بوريس يلتسن، في موسكو، بل أن بعض الأخبار غير المؤكدة تقول إنهم اقتحموا مخدعه أثناء نومه، فقد كان الخبر لا يقبل التأجيل والتأخير. فبينما كان الرئيس نائما أو قائما، وبين أحضانه، مجازًا، «الحقيبة النووية» «Cheget»، دخلوا بالخبر الجلل: تم إطلاق صاروخ بالستي من إحدى القواعد بالنرويج، وقد يكون مساره تجاه روسيا.

بالفعل، قبل ذلك بثلاث أو أربع دقائق، كانت رادارات الإنذار المبكر الروسية (منها رادار Olenegorsk) قد رصدت صاروخًا بمسار بالستي يشبه مسار صاروخ Trident النووي، مما شكّل تهديداً نووياً خطيراً محتملاً يتهدد روسيا، ودفع القائمين على أجهزة الرادار إلى تفعيل بروتوكول Launch-on-Warning (الإطلاق عند التحذير)، وإبلاغ القيادة العسكرية العليا، ومنها مباشرة إلى الرئيس صاحب الحقيبة النووية.

خلال دقيقتين، أي ما بين 10:30 و10:32 فجرا بتوقيت موسكو، كان الرئيس يلتسن قد فعّل الحقيبة النووية «Cheget»، ولعلك الآن تتساءل: ماذا حدث؟ وما تأثير تفعيل تلك الحقيبة على العالم؟ وما رد الفعل الروسي تجاه هذا التهديد الخطير؟ ولكن قبل الإجابة، دعنا نرصد بعض الحقائق التاريخية المثبتة قبل المضي قدما في قصتنا. 

تخيّل، يا صديقي، أن الرئيس الروسي بوريس يلتسن كان من مدمني الكحول، فقد عُرف بإفراطه الشديد في شرب الكحول خلال فترات طويلة من رئاسته (1991–1999)، وهذا موثّق في مذكراته الشخصية Midnight Diaries. الآن أتمنى أن تكون أدركت كم الخطورة المحيطة بهذا الموقف الذي يحبس الأنفاس، وأن تتخيل مدى خطورة تلك الحقيبة التي يمكن أن تتسبب في تدمير العالم بين يدي رجل مخمور، على الرغم من أن تقارير هذه الحادثة لم تثبت ذلك. ولكن، ولحسن الحظ، فإن قرار الردع النووي، ناهيك عن الهجوم، أبدا لم يُوضع ليكون قرارا فرديا في روسيا؛ إذ يتمثل دور الحقيبة النووية الروسية في فتح قناة اتصال مشفّرة ومباشرة ما بين الرئيس ووزير الدفاع وقائد الأركان، وما بعد ذلك من قرارات، بما فيها الرصد والرد أو الهجوم، لا بد أن يأتي بموافقة ثلاثية. 

بالفعل، بعد تفعيل الرئيس الروسي للحقيبة النووية، فُتحت قناة الاتصال المذكورة، وتابع ثلاثتهم مع غرفة العمليات الصاروخية، في لحظات حبست فيها الأنفاس، حيث يتم تحليل مسار الصاروخ، ورصد موجات تالية من الصواريخ إن وُجدت، واتخاذ القرار المناسب، الذي كان يتأرجح ما بين سيناريوهين غاية في الخطورة: ضربة نووية استباقية، أو صاروخ تفجيري عالي الارتفاع (EMP). 

بعد دقائق معدودة، مرّت كسنين ممدودة، وتحديدًا في الوقت ما بين 10:38 و10:40 تقريبًا، ظهرت تقارير أجهزة الرادار النهائية، التي أفادت بأنه لا توجد أي دفعات صواريخ إضافية، وأن مسار الصاروخ يبتعد عن المجال الجوي الروسي. وعند الساعة 10:45 تقريبًا، تم إنهاء الطوارئ وخفض حالة التأهب، ومن ثم إغلاق قنوات القيادة النووية الخاصة، دون إرسال أي شيفرات إطلاق، معلنة انتهاء أخطر إنذار نووي في التسعينيات دون إطلاق رصاصة واحدة.

في اليوم ذاته، أرسلت روسيا استفسارا إلى النرويج عبر القنوات الدبلوماسية حول طبيعة الصاروخ والجهة التي أطلقته، وسبب عدم وصول الإخطار إلى الجهات العسكرية الروسية، ليأتي الرد النرويجي السريع بأن الصاروخ تم إطلاقه من Andøya Space Center في إطار بعض التجارب العلمية، وأن الإخطار قد أُرسل مسبقًا عبر القنوات الرسمية الدولية للخارجية الروسية. لتبدأ القيادة الروسية لاحقًا في التحقق من تلك المراسلات وحقيقة استقبالها، لتتفاجأ بأن الرسالة ظلت حبيسة أدراج وزارة الخارجية، وأن دولاب العمل البيروقراطي الروسي حال دون وصولها للمسؤولين في القيادة العليا للجيش الروسي لأخذ العلم والحيطة حول هذا العمل العلمي المجدول سابقا.

بهذا يُسدل الستار عن خطأ بيروقراطي نووي كاد يكلّف العالم كله الكثير، ويترك من وراءه الآلاف من التساؤلات: ماذا لو كانت حقيبة الرئيس الروسي مُعدّة للإطلاق أو الرد الفوري بمجرد التفعيل؟ ماذا عن بروتوكولات الحقائب المماثلة في الدول النووية الأخرى؟ هل أيضًا تخضع لنفس التسلسل، أم يستطيع أحد الرؤساء في دولة ما إطلاق القرار منفردًا؟ ماذا عن الحالة النفسية والعقلية لمالك تلك الحقيبة؟ ماذا يحدث لو وقع خطأ بيروقراطي مماثل وسبق السيف العذل؟

 تساؤلات مريرة لن تجد لها أبدا أية إجابة، بل تخرج منها باستنتاج واحد: أن العالم سيبقى إلى الأبد، في ظل وجود تلك القوى الغاشمة في أيدٍ بعينها، على شفير الهلاك ما بين لحظة وأخرى، ما لم يحكم الله بخلاف ذلك.