مفهوم العقاب في المشهد السوري
يمكن الزعم أن كلّ قراءة للمشهد السوريّ اليوم خارج مدار مفهوم (العقاب)، تكاد تقود إلى تفسيرات خاطئة لما جرى ويجري، ولما كان وسيكون. وهذا المدار يحتاج إلى أدوات نقدية وآلية تفكيكية تُمكّن من دخوله وتفحصه، ونحن قبل دخوله أكثر احتياجاً لنتأكد من صحة اختيار هذا المدار من دون سواه، وهذا يبدأ من الكيفية التي جعلت الاختيار يقع عليه، أو من معرفة الأسباب التي قادت نحوه وأوصلت إليه.
حين يراد فهم حالة ما فهماً نقدياً لا بد من الاتكاء على عوامل خارجية تتمثل بالأدوات النقدية وآلية عملها ومنهج بحثها، ثم داخلية تبدأ من المفاهيم النقدية الواصفة والنابعة من الواقعة. وتبدأ هذه العملية من الانطلاق من مسلمات مفهومية– نقدية، بوصفها فرضيات قابلة للفحص، وهذا يعتمد على الحس النقدي والمعاينة والاختبار، ثم يُسلَّم بأكثر المفاهيم قابلية للاختبار الافتراضي الذهني وأحسنها انسجاماً مع مقتضيات الحالة والعدة النقدية.
لقد كان مفهوم العقاب الأكثر وضوحاً وقابلية وانسجاماً لتفسير المشهد السوري. ولأن طبيعة المقال لا تتسع لتفصيل الأداة النقدية وآلية عملها ومنهجها، فالأوفى والأحرى أن يُشرَع بتبيين الحالة النقدية للمشهد من دون تلك التفصيلات ومراحل عملها وآلية مسارها.
■ الجمل الثقافية:
بدأت الكارثة بـ
1 - حراكٍ شبابيّ متطلّع إلى حياة ديموقراطية.
2- شعب في أغلبه وأغلبيته الساحقة راضية قانعة، مشمئزّة ممّا يجري من حراك يقلقل عليها سكينة الصمت.
3 - طائفيّين وأصوليّين وعنصريّين، يتستّرون خلف هذا الشباب المندفع، ويدبّرون تحوّلاً بِليلٍ.
4 - نظام مستبدّ راديكاليّ.
5 - مكوّنات خائفة متوجّسة.
6 - معارضة تقليديّة فرديّة الطابع، أضاع كثيرٌ منها طويلاً من حياته أو قصيراً في معتقلات النظام ومنافيه، فلا الشعب آبهٌ بهم، ولا هم منه راضون.
7 - جيش منقسم بين عقائديّ عروبيّ، ومهمّش متضرّر من البنية الطائفية للجيش، وطائفيّ متعصّب للنظام، وطائفيّ ناقم على النظام، وعناصر مغرّر بها طائفيّاً ومغسولة أدمغتها بأسيدٍ ناقع لمصلحة النظام (جيش وأمن).
■ التركيب النحوي:
يتبيّن عند تفكيك هذا المشهد أن هذه الفئات ما تزال محافظة على منظومتها البنيوية ذاتها، وما تزال موجودة، وهي لو جرى بينها تداخلٌ هنا أو تسييل هناك، فإنها تبقى على الرغم من ذلك تشكيلاتٍ بنيويةً ناظمة ومستقلة. وكثير من تداخلاتها وهمية شكلية، أو هي أشبه بمكونات الدم تتداخل ولا تتيه عن نُظمها، كل ذلك يجثم داخله كمون ثقافي/تربوي، يحفظ لها خصائصها ويبرمج لها شفراتها الرمزية، ويحمي منظوماتها من التحلل، ويوفر لها مجازاً جامعاً تتحرك من خلاله ضمن علاقة كلية، ومنظومة بنيوية محكومة بتناغم التضاد الذي يضمن توازن حركة عناصرها مثلما تضمن قوى الجاذبية مسار الكواكب وتوازن جزئيات الذرة حول النواة، ومثلما تضمن بديعة الطباق حالة التقابل البلاغي بين المفردات المتضادة في نسق العبارة الواحدة وتغذي شعور الدهشة عند المتلقي.
■ الدلالة النسقية:
ويكشف تفكيك هذه الفئات ومشهدها عن تنافر وكُره وعدم قبول يسود علاقاتهم البينية المفروضة عليهم اليوم، وما أفرزته من إفرازات نوعية متجدّدة في الشكل لكنها كلها تعود إلى جواهرها الفئوية تلك.
■التركيبة النسقية والجمل الأدبية:
ولذلك فالنسق المضمر الذي يحكم هذه العلاقة هو نسق العقاب والتشفي، الذي لا يبغي الجزاء بقدر ما يريد إرواء ظمأ عطشه لوهم التشفي وذرائع التأديب، وكلهم يتستّر بأنساق جمالية معلنة بتوريات بلاغيّة أو وطنيّة أو إنسانيّة أو حقوقيّة.
■ الجملة النوعية:
وحدها الفئة الأولى ما تزال تحمل نسقها المعلن وحده، لأنّها لا تملك غيره، وهو النسق المدنيّ الديموقراطيّ، مع تسلّحها ببلاغة النفور والهجاء حاجزاً يحميها، ليس من النسق العقابيّ المدغم تحت ابتسامة الإنسانيّة وشعارات الوطنيّة والتدبيجات القانونيّة والمرافعات الحقوقية واستعارات بيانية سياسية ووعود اقتصادية وكنايات أمنية، وإنّما من زيفها الجماليّ الكاذب. فكلّهم يكذب، ولا أحد منهم يوفّر وسيلة تقويّ نسقه المضمر.
■ المجاز الكلي
ولذلك، فقد كان قانون الطوارئ حالة دستوريّة تشهرها السلطة متى شاءت، فبات اليوم حالة نفسيّة يحملها السوريّ بين ضلوعه، خوفاً أو حقداً.
■ مسوّدات النص:
يقدم لنا تاريخ السياسة صوراً متعددة من أصناف الحكم وألواناً متباينة من أنظمة السلطة. ويبدو أن المصلحة هي في المقام والغالب على هذا التاريخ، وهذا التقديم والأولوية ليس عيباً في ذاته، بل هو تقديم محق ومن أس الفطرة البشرية مادياً وروحياً، لكن الإشكالية تأتي فيما يترتب على ذلك من تبعات ونتائج.
حين بدأ ما سمي لاحقاً بالربيع العربي، ووصل إلى سوريا، كان المناخ السياسي والوضع السوري العام قابلاً لاستقبال هذا الربيع، فاستجاب له حراك شبابي مدني حالم بتغيير بنيوي للنظام السياسي وما يترتب عليه من إصلاح شامل للوضع الحياتي السوري.
وعلى الرغم من توافر مسببات الحراك وتحقق شروطه ومبادرة المجموعات الشبابية الطليعية، لكن الاستجابة الشعبية لم تكن على قدر المسؤولية؛ الأمر الذي أدى إلى انعطافه غير طبيعية نحو ولادة قيصرية للعسكرة والثورة المسلحة، علماً أنه بدأت تظهر بوادر انهيار النظام وشلل حركته المؤسساتية الاعتيادية.
هذا المزاج الخفي الذي اعتاد السكون، النافر من التغيير والمتوجس من المجهول، أسهم في تفرد نظام القمع بأصحاب الحراك الآخذ بالتوسع رغم التشديد وشدة سوط السلطة، بيد أن هناك أياد داخلية وخارجية من السلطة نفسها ومن خارجها جرّت هذا الحراك نحو العسكرة والصراع الثوري المسلح.
واليوم يقف هذا المزاج نفسه وراء ما يجري ويفسره، ولا سيما التسليم الشعبي بالسلطة والرضا بها كما كانت راضية بما قبلها، والتسارع بخطى انتهازية نحو ولاء جديد من قبل كتلة جماهيرية كانت تحاول الاستثمار النفعي بالنظام السابق، وهي اليوم تعيد الكرة في النظام الجديد. يقف مقابل هذا المزاج مزاج آخر خائف من وضعه الطائفي ولا يريد أكثر من أمنه الوجودي والاقتصادي، وإلى جواره كتلة طائفية يحركها الحس الطائفي-العرقي، أو المصلحي النفعي المماثل للكتلة الانتهازية الوصولية السابقة.
■حبر النص الجديد:
ذكرنا أن السياسة تقوم على المصلحة، ولذلك فالنظام السياسي غير الديموقراطي أو ما قبل الديموقراطي، ولا سيما في بلد مثل سوريا، يحتاج إلى من يقف إلى جانبه ويواليه، بغض النظر عن مكانة المساند الاعتبارية من النظام السابق والثورة والحراك؛ فما ينتظر النظام الراهن من قادمات الأيام أولى عنده بكثير من ذاك الماضي. والولاء الجديد عنده مقدم على البراء القديم من النظام السابق. هذه الأولوية النفعية التداولية جعلت شروط الاختيار في بنية النظام الجديد تشترط ما يلي أو تقوم عليه؛ فلكي تكون جزءاً من بنيته ومؤسساته، يجب:
- أن تكون طائفياً جديداً: فيرسم الحقد ولاءك وخطواتك.
- أو تكون طائفياً قديماً أو فاسداً سابقاً، فيرسم الخوف خطواتك ويكتب سجلُّك القديم ولاءك الجديدَ مصقولاً بطبيعتك وعاداتك التي تحدد سعرك الراهن.
- أو تكون ذا إضبارة وظيفية حافلة بالمحاباة والنفاق والتسول المصلحي، فتؤهلك خبرتك بممارسة احترافية جديدة وعقد وظيفي مغرٍ لنفاق جديد من دون وازع من ضمير أو أخلاق أو دين، أو حياء. وهذا نوع ينتمي إلى فئة الفاسدين في معنى من معاني الفساد الكبيرة، وهو رهين توجس من ماضيه من طرف خفي، فإما أن تكون حاقداً متربصاً تحمل حالة الطوارئ في نفسك، وإما أن تكون مذنباً قديماً تحمل طوارئك بين ضلوعك.
خارج هاتين الحالتين الطارئتين لا مكان لك اليوم، وهما حالتان واقعتان ضمن دائرة مفهوم العقاب الذي بدأت به المقال؛ فالأولى متعطشة للعقاب والثانية قلقة خائفة هاربة منه.
ثمة فرصة تاريخية أمام سلطة اليوم لإنقاذ سوريا والنجاة بها نحو بر الأمان، وهذا يأتي بإخلاص النية مشفوعة بإخلاص العمل وإيثار البلد على الحكم، ومن ثم المراجعة الشاملة لسياساتها وإعادة تطويرها وتغييرها وتصحيحها بما ينسجم مع المصلحة الوطنية والقومية الكبريين.