الأردن وكأس العالم.. الفرصة والسردية

25 January 2026
وصول الأردن إلى كأس العالم لا ينظر إليه كإنجاز رياضي فقط (غيتي)
وصول الأردن إلى كأس العالم لا ينظر إليه كإنجاز رياضي فقط (غيتي)
mahde2797@gmail.com
مهدي عثمان الشوابكة
تابع الكاتب عبر :

في عالم اليوم لم تعد الدول تُعرَّف فقط عبر سياستها أو اقتصادها، بل عبر صورتها الرقمية والسردية التي تتشكّل عنها في أذهان العالم ومن هذا المنطلق فإن وصول المنتخب الوطني الأردني إلى كأس العالم لا يمكن النظر إليه كإنجاز رياضي فحسب، بل يجب التعامل معه باعتباره أكبر فرصة تسويقية دولية للأردن في تاريخه الحديث، وفرصة نادرة لإعادة تقديم الأردن للعالم بصورة متجددة وجاذبة للرياضة وتحديدا كرة القدم التي لم تعد لعبة داخل الملعب، بل أصبحت منصة عالمية لصناعة السمعة الوطنية، وبوابة عبور نحو السياحة والاستثمار وبناء الثقة الدولية. 

ما تؤكده البيانات الرقمية اليوم هو أن اسم "الأردن" بات حاضرا بقوة في الفضاء العالمي، وفي توقيت بالغ الحساسية والأهمية، حيث تشير بيانات الرصد والتحليل الصادرة عن شركة "مكانة 360" للفترة من 1 إلى 10 ديسمبر (كانون الأول) 2025 إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الحديث الرقمي المرتبط بذكر الأردن فقد بلغ عدد المحادثات والأخبار التي تناولت الأردن 588.3 ألف محادثة وخبر، بزيادة قدرها 66% مقارنة بالفترة المرجعية السابقة، فيما وصل حجم التفاعل مع المحتوى الذي يذكر الأردن إلى 27.8 مليون تفاعل، بزيادة 89%. الأهم من ذلك أن هذا التفاعل لم يكن سطحيًا فقط، بل صاحبه ارتفاع واضح في مؤشرات الاهتمام المعرفي، إذ سجّلت صفحة الأردن على ويكيبيديا 40,118 زيارة خلال الفترة نفسها، أي أعلى بنحو 20% من متوسط الزيارات الأسبوعية المعتادة، ما يعكس فضولا دوليا حقيقيا لمعرفة المزيد عن الأردن، لا مجرد متابعة عابرة لنتيجة مباراة. 

اللافت في هذه المرحلة أن كرة القدم أصبحت المدخل الرئيسي للتفاعل مع اسم الأردن عالميا فقد استحوذت كرة القدم على نحو 76% من إجمالي التفاعل الرقمي المرتبط بالحديث عن الأردن خلال أسبوع قرعة كأس العالم، مقابل تراجع نسبي لبقية الموضوعات السياسية والترفيهية ، كما أظهرت البيانات قفزات ضخمة في حجم الحديث المرتبط بكرة القدم مقارنة بالفترات السابقة، مع توسّع الاهتمام ليشمل أسواقا جديدة خارج المنطقة العربية، وارتفاع ملحوظ في الحديث عن الأردن باللغات الإسبانية والبرتغالية والفرنسية والإنجليزية إلى جانب اليابانية، هذا التحول اللغوي والجغرافي يعني ببساطة أن الأردن خرج من دائرته التقليدية إلى فضاء اهتمام عالمي جديد.

التحليل الأعمق لبيانات البحث على Google وYouTube يبيّن أن الاهتمام بالأردن بعد قرعة كأس العالم لم يعد محصورا بالحدث الرياضي نفسه، بل انتقل إلى البحث عن الأردن كوجهة وبلد وتجربة هذا النوع من البحث "القائم على الاهتمام" هو المرحلة التي تسبق اتخاذ القرار كقرار السفر أو الاستثمار أو حتى إعادة النظر في صورة بلد ما.

الاهتمام العالمي بالأردن بلغ ذروته، لكن الاهتمام وحده لا يخلق أثرا مستداما إذا لم يجد من يلتقطه ويوجهه ويحوّله إلى مسار واضح. في عصر محركات البحث من لا يكتب قصته تُكتب عنه قصص أخرى، وحين يبحث ملايين المستخدمين حول العالم عن “Jordan”، فإن ما يظهر لهم في النتائج الأولى من محتوى، وصور، ومقالات، وتحليلات هو ما سيشكّل تصورهم عن الأردن لسنوات قادمة، لذلك فإن تعزيز السردية الأردنية الرقمية لم يعد خيارا، بل ضرورة وطنية تبرز الأردن كبلد آمن، غني بالتاريخ، متنوع ثقافيا، منفتح اقتصاديا، وقادر على تحويل الإنجاز الرياضي إلى قصة نجاح أشمل. 

الزخم الحالي يتجسَّد في تزايد عمليات البحث والزيارات المعرفية، مثل زيارات ويكيبيديا وعمليات البحث على يوتيوب وGoogle Trends.  أبحاث المنصات والعلوم المعلوماتية تشير إلى أن زيادات صفحات ويكيبيديا وعمليات البحث غالبا ما تكون مؤشرات مبكرة لاهتمام يمكن أن يتطور إلى سلوك (زيارات فعلية، حجز رحلات، بحث عن استثمار)، شريطة أن يجد الباحثون محتوى موثوقًا ومقنعًا حين يصلون إلى نتائج البحث، بمعنى آخر إن فشلنا في تقديم "السرد الأردني الرسمي" ومحتوى متاح ومتعدد اللغات سيترك الفراغ لقصص ومواد قد لا تعكس الصورة التي نريدها.

ماذا نحتاج اليوم؟ ما نحتاجه ليس حملات متفرقة أو ردود فعل آنية، بل خطة وطنية منسقة تستثمر هذا الزخم وتشمل: 

  • تطوير بوابة وطنية رقمية متعددة اللغات، تكون مرجعا رسميا للسياحة والاستثمار والإعلام. 

  • إطلاق حملات رقمية موجهة لتحويل الاهتمام إلى زيارات فعلية.

  • تمكين الجاليات الأردنية في الخارج لتكون سفراء للأردن في هذه المرحلة.

  • تعزيز المحتوى الرسمي الأردني في محركات البحث ومنصات المعرفة المفتوحة.

  • تنسيق الجهود بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والإعلام.

  • تجهيز صفحات ذات محتوى طويل حول السياحة، الاستثمار، تاريخ الأردن، وتجارب الزوار و التعاون مع ويكيبيديا (محتوى موثّق ومراجع) لضمان أن زيارات الصفحة تُقابل بمحتوى متوازن وموثوق. 

الأبحاث الأكاديمية في مجال ( nation branding) والآثار الإعلامية للمناسبات الرياضية الكبرى تؤكد أن الفعالية تكمن في كيفية استثمار الدولة لزخم التغطية الإعلامية عبر محتوى منظم، حملات موجهة، وتنسيق بين الجهات الرسمية والخاصة. 

العالم يتحدث عن الأردن الآن، ليس فقط كمبارة أو حدث رياضي، بل كقصة تستحق التعرف عليها، هذا الزخم قابل للتحويل إلى زيارات واستثمارات إذا ما حوّلناه إلى سردية رقمية موحّدة، محتوى متعدد اللغات، وتجربة زوار منسقة، فالتجارب الدولية تُعلِّمنا أن الفرص لا تُمنح بل تُبنى ومع التخطيط والتنفيذ السريع، يمكن لكأس العالم أن يصبح أكبر حملة تسويقية في تاريخ الأردن الحديث، وتحويل اهتمام اللحظة إلى إرث ملموس يبقى طويلًا بعد صافرة النهاية.

 كأس العالم لا يمنح الدول فرصة الظهور فحسب، بل يضعها أمام اختبار، إما أن تكتفي بالاحتفال، أو أن تحوّل اللحظة إلى نقطة تحوّل. البيانات تؤكد أن العالم ينظر إلى الأردن اليوم بفضول واهتمام غير مسبوق. والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس ماذا حققنا رياضيا؟ بل كيف سنضمن أن يبقى اسم الأردن حاضرا، إيجابيا، وجاذبا، بعد أن تنتهي المباريات وتُطفأ الأضواء، الفرصة قائم لكن الزمن لا ينتظر.