القراءة من "الصالونات" إلى "المجموعات"

04 December 2025
"المجموعات الرقمية" حلت مكان صالونات القراءة ولكن غيرت المفاهيم (وسائل التواصل)
"المجموعات الرقمية" حلت مكان صالونات القراءة ولكن غيرت المفاهيم (وسائل التواصل)
nagwanamer@gmail.com
نجوان ماهر
تابع الكاتب عبر :

من نافلة القول التأكيد على أن منصات التواصل الإجتماعي باتت أساسية في كل مناحي حياتنا وفي القلب منها الحياة الثقافية التي شهدت ظواهر عدة غير مسبوقة عبر "فيسبوك" و"إكس" و"تيك توك" وباقي المنصات. من أبرز تلك الظواهر نشأة وانتشار "مجموعات القراءة" كوسيلة شائعة لتشجيع القراءة الجماعية، فهي تجمع آلافاً من الأعضاء لمناقشة كتب محددة، مشاركة اقتباسات، وتقييمات. 

لكل عملة وجهان، كان هناك فوائد متعددة للظاهرة مثل تعزيز الاهتمام بالقراءة بين فئات مختلفة و أعمار متفاوتة، لكن لاحقا بدأت السلبيات في الظهور. وهو ما أتناوله في السطور التالية انطلاقا من سؤال رئيس هو كيف تحولت "المجموعات" من أداة ثقافية إيجابية إلى عامل يساهم في تعزيز الاستهلاكية، وفقدان العمق الفكري حيث التسطيح والمكسب التجاري حازا الأولوية. 

التحليل الذي نحن بصدده الآن انطلق أساسا من كوني تفاعلت مع معظم تلك المجموعات كقارئة لفترة بدأت قبل خمس سنوات وأكثر، بالتالي أتحدث من داخلها وليس من الخارج، حيث انجذبت في البداية للنشاطات العفوية، أو هكذا ظننت، والمناقشات والتعرف على الكتب الجديدة وتفضيلات الكتب الكلاسيكية، والكتابة أول بأول عما أنجزه من كتب وما أحضره من ندوات، قبل أن يتحول الأمر برمته شيئا فشيئا إلى قضية شائكة تجعل نقدها من الداخل أمرا مستحيلا، فلا أحد يقبل التقويم أو الإصلاح، وطغيان القرار الفردي والمكسب المادي جعل الخيار الأمثل هو الخروج والاكتفاء بالقراءات التي تعتمد على الذائقة الشخصية دون التأثر بالأراء الجماعية التي هي عادة مدفوعة بأمور أخرى عديدة ليس من بينها إعطاء المجال للمحتوى الجيد بحق. 

تعاملت معظم "الجروبات" مع القراء باعتبارهم سلعة، وكأنهم مغيبون، حيث لا صوت يعلو فوق صوت التسويق، والأكثر مبيعا، والترويج بنفس المستوى للغث وللسمين طالما أن صاحب الكتاب أو دار النشر قادران على تمويل الحملة. بات المتابعون مطالبون بالتهليل لكل إصدار جديد فور نشر الغلاف ولا أقول حتى الملخص، تطبيقا لمقولة محمد سعد في أحد الأفلام "تصدق سلخت قبل ما أدبح". لم يعد فعل القراءة نفسه هو الأساس، بل الانبهار والتهليل والتصفيق خصوصا وأن العديد من الكتاب لقطوا الفكرة، وباتوا مقيمين في تلك المجموعات فكيف سينتقد المتابعون كتابا وصاحبه بينهم يعلق ويجامل ويمنح اللايكات الحمراء لكل من يشيد؟ . 

وسط ما سبق، تبخر ذلك الألق و الشغف عند الذهاب لآي مكتبة و الوقوف أمام الأرفف لننتقي ما نريد بعدما نرصد بأعيننا كافة العناوين، نذهب لشراء كتابا نخرج بخمسة كتب أو أكثر، بسبب الظاهرة السلبية لم نعد نذهب للمكتبة، بل ننتظر المنشورات التي يفرضها علينا مديرو تلك "المجموعات"، الأمر الذي حرم القارئ من مصدر قوته الوحيد"الاستقلالية والقدرة على الاختيار".

 هذا التحول كشف عن تغييرات عميقة في عالم القراءة، حيث ظهرت مفاهيم مثل "القارئ الصامت" الذي يكتفي باستقبال المعلومات والانطباعات دون تفاعل عميق، قارئ بعيد عن اختيارات "السوشيال ميديا"، بعيد عن الصخب و الفجاجة، بعيد عن مقترحات يتم تصديرها بشكل متعمد تجاه كتب بعينها. كان من المفترض أن تقوم "جروبات القراءة" بنفس دور صالونات الثقافة قديمًا، أي تبادل الآراء والترشيحات حول الكتب، لكن ما لم نلتفت له أن أصحاب الصالونات كانت لديهم القدرة المادية على استضافة الحضور كل أسبوع، وبالتالي من حق صاحب الصالون تحديد قائمة الضيوف، وموضوعات المناقشة، وهو نفس الحق الذي لا نشكك فيه لصاحب "جروب القراءة"، لكن ما غاب عن هذا النشاط هو "الصراحة" .

بمزيد من المتابعة يمكن القول أن هناك مسارات عدة أدت إلى هذا التحول السلبي:

 الربح المادي وتحويل المتابعين إلى "سلعة" 

بدأ البعض نشاطه كهواية، ولكن مع زيادة الطلب من المؤلفين والناشرين للتسويق، تحول "الجروب" إلى فرصة للربح المادي أو المعنوي مقابل تفضيل كتاب على آخر. الأدهى من ذلك هو تحويل المتابعين إلى "سلعة تُباع" للناشر أو المؤلف، حيث تُقدم بعض الكتب على أنها "رائعة" وتُستبعد أخرى بناءً على الاتفاق المادي، وليس الجودة، وهو ما يغيب عنه عنصر "المكاشفة". أما تقديم بعض الكتب باعتبارها رائعة واستبعاد أخرى كأنها لم تصدر، والمعيار هو الاتفاق المادي، فهذا أمر كان يستحق الوقوف عنده فإما قبوله كما هو أو رفضه بالمطلق. 

دعم دور النشر وتفضيل مؤلفيها 

بدأ البعض متطوعا عند إنشاء "الجروبات" و حصل البعض على دعم من دور نشر معينة، قد لا يكون ماديا بالضرورة، بل كتب مجانية ومزايا تنافسية أخرى. ونتج عن ذلك تفضيل مؤلفي الدور الداعمة على الباقين. فلو كان هناك كتاب قيّم ومؤلفه وناشره ليسوا أعضاءً أو داعمين لـ"الجروب"، فقد لا يجد مكانا للمناقشة. في الوقت نفسه التقط المؤلفون الخيط وباتوا متواجدين أكثر على "جروبات" بعينها طالما أنها مدعومة من ناشريهم، بالتالي لو أن هناك كتابا قيما يستحق المناقشة ومؤلفه ليس عضوا في "الجروب" وناشره ليس داعما، فلن يجد مكانا. 

البحث عن مكان تحت الشمس

النوع الثالث من أصحاب الجروبات هم من يبحثون عن موقع لهم بعد فشلهم في الاستمرار بـ "جروبات" سابقة أو لافتقارهم للكفاءة والخلافات الشخصية، حتى عادوا قراء عاديين تماما ولم يتحملوا هذا الوضع ثم قام هؤلاء بإطلاق مجموعات جديدة دون دراسة لطبيعة المجال، مما يزيد من زخم هذه الظاهرة. 

تشكيل فقاعات ثقافية 

تعمل خوارزميات المنصات علي تعزيز الفقاعات حيث يقترح المستخدم كتب تتوافق مع آرائه الحالية و تسمي Echo Chambers في مجموعات القراءة، فيصبح الاختلاف الفكري نادرا وتتعزز التحيزات الثقافية. على سبيل المثال، قد تروج مجموعة لكتب معينة دون نقاش متوازن، أو تتجاهل أعمالًا من ثقافات أخرى. هذا الانقسام يضعف التنوع الثقافي الحقيقي، حيث أصبحت القراءة أداة لتعزيز الهوية الجماعية بدلاً من توسيع الآفاق. وحذرت دراسة من منظمة اليونسكو في 2024 من أن المنصات الرقمية تساهم في "تآكل التراث الثقافي العالمي" بنسبة 25% بسبب التركيز على الترندات المحلية أو الشعبية. 

نحو إصلاح المسار 

ما سبق لا يعني أن "مجموعات القراءة" فكرة سيئة، بل يجب أن يكون هناك تعريف صريح لمصادر التمويل. ويجب الاعتراف بأن "مجموعة القراءة" أصبحت منصة للترويج لدور نشر وكتّاب معينين، وأن إصدارات هذه الدور لها الأولوية. بهذه الصراحة يمكن تلافي الهجوم، على غرار ما كان يحدث في الصحافة الورقية من وضع علامة "إعلان ممول". نحن لسنا ضد التجربة، ففوائدها عديدة، ولكننا نقدم رؤية مغايرة بهدف إصلاح المسار واستشراف ظهور أدوات جديدة لتجميع القراء بعيدا عن سلبيات الجروبات. 

إن كسل معظم دور النشر فيما يتعلق بجديد التسويق الإلكتروني هو ما ساهم بشدة في تراكم سلبيات هذه الظاهرة ثقافيا، حيث لم تتأقلم الدور سريعا على المتغيرات ولم تنشئ مجموعات قراءة خاصة بها. قد يكون الحل في العودة إلى "القراءة الهادئة" حيث البعد عن "الهيصة والهليلة المبالغ فيها"، وبعيدا عن ترشيحات "جودريدز" الملوثة تجاريًا. إنها دعوة لاستعادة "الريفيور" النزيه بدلًا من استغلال دور النشر له، والرجوع إلى فيديوهات عن القراءة هدفها الإثراء لا التسويق. 

تأثير المجموعات السلبي الثقافي، من التبسيط والاستهلاكية إلى الفقاعات، يهدد عمق التراث الإنساني. لمواجهة ذلك، يجب على المستخدمين التركيز على المناقشات العميقة، دعم الأدب المتنوع، ومقاومة الترندات السطحية. وفي النهاية، القراءة الحقيقية ليست في عدد "اللايكات"، بل في التأثير الفكري الدائم، وإذا لم نعدل مسارنا، فقد نفقد جوهر الثقافة في بحر "الترندات" الرقمية .