لماذا نكتب؟
لماذا أكتب؟ سألت نفسي هذا السؤال، لا لأنني شاعر أو كاتب محترف، فأنا لست هذا ولا ذاك. أنا فقط إنسان لديه ما يريد قوله، وما يعجز أحياناً عن قوله.
الكتابة ليست امتيازاً للنخبة، بل هي امتياز الإنسان. إنها فعل بشري قديم، وغريزة للبوح وترك الأثر. وكما نقش الإنسان الأول حكايته على جدران الكهوف، نترك نحن أيضاً آثارنا، لكن على جدران رقمية.
نكتب لأن مساحات الواقع تضيق بنا أحياناً، ولأن الكلام المباشر صار معقداً، ولأن ما نشعر به لا يجد دائماً طريقه إلى أفواهنا. نحمل جميعاً لغتنا الأم، لكن شيئاً منها ابتعد عنا مع مرور الوقت. وربما في المسافة التي نشأت بيننا وبينها، تكونت داخل كل منا لغة أخرى، أم بديلة لا يسمعها سوانا. لغة نتحدث بها إلى أنفسنا في عزلتنا، ونفهم من خلالها ما نعجز عن شرحه للآخرين.
ومع التجارب، يتشكل داخل كل منا قاموسه الخاص، قاموس تصنعه الخيبات، ويضيف إليه الصمت، وتعيد العلاقات ترتيب معانيه. لذلك، قد نلتقي بأشخاص يتحدثون لغتنا نفسها، لكننا نحتاج إلى ترجمان كي نفهم بعضنا. نتبادل الكلمات، ونظن أننا متفاهمون، بينما لكل منا معنى مختلف يختبئ خلف الكلمة ذاتها.
ثم جاءت وسائل التواصل، وفتحت لنا جداراً آخر نكتب عليه. مساحة نستطيع أن نتحدث فيها بلغتنا الأولى، أو بتلك اللغة البديلة التي صنعتها تجاربنا في الداخل. نكتب كما نشعر، دون حاجة إلى شرح طويل أو قاموس مشترك. من يعرف هذه اللغة، أو يشبهنا في شيء منها، قد يلتقط ما وراء كلماتنا. أما من تختلف لغته عنا، فقد يمر على النص كما يمر عابر سبيل بلحن جميل لا يفهمه، يسمعه لكنه لا يعرف ما الذي يتحرك في داخله.
نكتب، لا لكي يفهمنا الجميع، ولا لكي نرضي أحداً، ولا لأننا نريد تعليم الآخرين كيف يفكرون أو يشعرون. نكتب ربما لنلتقي بمن يفهمنا دون أن نضطر إلى شرح أنفسنا كثيراً وبمن يقرأنا كما نحن، لا كما يريد هو أن يرانا.
نكتب لنخفف عن أرواحنا ما يثقلها، ولنخرج إلى الكلمات شيئاً ظل طويلاً حبيس الداخل. نكتب كما نشعر، لا كما يحب الآخرون أن نبدو. وربما لا يقرأنا أحد، لكن مجرد أن نقول ما ظل عالقاً فينا قد يكون كافياً.
فالكتابة لا تكشف أفكارنا وحدها، بل تكشف شيئاً منّا أيضاً. قد يظهر صدق الإنسان بين السطور، حتى حين لا يعلن عنه صراحة، وقد يتسلل التناقض إلى الكلمات مهما حاول صاحبها أن يبدو متماسكاً أو أن يخفي ما في داخله. نظن أننا نختار كلماتنا بحرية، لكن كلماتنا أحياناً تقول عنا أكثر مما أردنا لها أن تقول.
نكتب لأن في داخلنا أشياء لا تُقال شفهياً، ولأن بعض المشاعر تفقد شيئاً من حقيقتها حين نحاول شرحها بالكلام. نكتب لأن الكتابة ليست تفسيراً لكل ما نشعر به، بل هي نبض يأخذ شكل الكلمات.
وفي هذا العالم المزدحم بالأصوات، نرسل إشاراتنا كما لو أننا نرسل ضوءاً صغيراً في العتمة. لا نعرف من سيلتقطه، ولا أين سيصل، لكننا نتركه يمضي. وربما يراه شخص يشبهنا، فيشعر أن هذه الكلمات تعبّر عن شيء عاشه هو أيضاً، وأنه ليس وحده كما كان يظن.
بعض الفهم لا يحتاج إلى ترجمة، بل إلى روح تعرف هذا النبض، وإلى تجربة تجعل الكلمات مألوفة، حتى لو لم نعش الحكاية نفسها.
نكتب حين تضيق العبارة في الحديث، فنمنحها مساحة أوسع في النص. نكتب لعلنا نجد من يفهم ما بين السطور، لا الكلمات وحدها، ومن يسمع الصمت الذي تركناه بينها.
لسنا بحاجة إلى أن يفهمنا الجميع، ولا إلى جمهور يصفق لنا بزر الإعجاب. لسنا مضطرين إلى تحويل كل ما نشعر به إلى رسالة واضحة تصلح لكل الناس.
ربما نكتب فقط لكي نصغي إلى أنفسنا، ونقرأ وجعنا وفرحنا وحقيقتنا، لا من سطح الكلام، بل مما يتوارى خلفه.
أما فلماذا أكتب؟ أكتب لأن في داخلي ما يستحق أن يجد طريقه إلى الكلمات، ولأنني لا أريد أن أعيش كل ما أشعر به دون أن أمنحه فرصة للظهور. أكتب لا لأكون كاتباً في عيون الآخرين، بل لأكون أقرب إلى نفسي. وربما، في مكان ما من هذا الزحام، هناك شخص يقرأ كلماتي، فيشعر أنها تشبه شيئاً في داخله. عندها، لن أكون قد كتبت وحدي.