من هو المثقّف؟

05 November 2026
vitoo510gta@icloud.com
أيوب شقّاف
تابع الكاتب عبر :

‏إذا استوقفنا أحدًا من المارة في الشارع وسألناه أن يدلّنا على شخص مثقّف،‏ فعلى الأغلب أنه سيدلّنا على صاحب المكتبة التي في الركن المنسي من حيّهم،‏ والذي يمضي يومه في قراءة روايات جورج أورويل وفي التفكير في سبب انقراض الديناصورات.‏

‏أو ربما سيدلّنا على جاره الذي غالبًا ما يظهر في لقاءات بصفته ‏«مفكرًا»‏ أو ‏«مهتمًا بالشأن العام»‏،‏ مرتديًا بدلة رسمية ومتحدثًا بلغة عربية فصيحة لا تخلو من بعض المصطلحات الإنجليزية،‏ ليعطي رأيه بخصوص مستجدات الأوضاع الاقتصادية والسياسية،‏ ويقيّم الشخصيات العامة ويصنّفها إلى صالح وطالح.‏

‏كل ذلك سيثير الفضول لمعرفة سرّ هذا المصطلح الذي يحمله الكثيرون بفخر على أكتافهم كرتبة عسكرية تعطيهم كل هذه الأضواء والمنابر الإعلامية،‏ وسيتحتّم علينا أن نغوص في المعاجم اللغوية وأكوام من التعريفات لكي نتعرّف على هذه الشخصية،‏ ولنرى ما إذا كان مصطلح ‏«المثقّف»‏ له تعريف واضح ومحدّد،‏ أم أنه مصطلح مطاطي آخر كالكثير من المصطلحات التي يتم تداولها يوميًّا.‏

‏كانت العرب تسمّي عملية تسوية الرماح وتقويم اعوجاجها بتَثْقِيف الرماح،‏ نسبةً إلى الأداة المستعملة في ذلك،‏ والتي تسمّى الثِّقاف.‏

‏ومع مرور الوقت تحوّل المصطلح من وصف مادي إلى وصف معنوي،‏ فبدؤوا بإطلاقه على من يعتبرونه من وجهة نظرهم حاذقًا وفطنًا،‏ كأن يقولوا ‏«ثقِف فلان»‏،‏ أي صار حاذقًا فطنًا،‏ وأن يقولوا ‏«ثقِف الحديث»‏،‏ أي فهمه بسرعة واستوعبه جيدًا.‏

‏ومع انتهاء عصر تسوية الرماح واقتراب حلول عصر تخصيب اليورانيوم،‏ عرّف عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي الثقافة على أنها هي المركّب الذي يشمل المعرفة،‏ والمعتقدات،‏ والفن،‏ والأخلاق،‏ والقانون،‏ والعادات،‏ وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في جماعة.‏

‏وتوالت بعد ذلك التعريفات المختلفة للمثقّف من كل حدب وصوب،‏ فعرّفه ريجيس دوبريه على أنه الشخص الذي يُدلي بدلوه في المجال العمومي،‏ ويعلن للملأ آراءه الخاصة،‏ وعرّفه سيمور مارتن ليبست على أنه من يبدع ويوزّع ويمارس الثقافة،‏ أي العالم الرمزي الخاص بالإنسانية،‏ والذي يتضمن العلم والفن والدين،‏ وعرّفه ألبير كامو على أنه شخص يراقب عقله نفسه،‏ بينما أخذ جان بول سارتر منعطفًا آخر بتعريفه للمثقّف على أنه الشخص الذي يتدخّل فيما لا يعنيه.‏

‏أما أنطونيو غرامشي فتجاوز العتبة وقفز فورًا إلى تقسيم المثقّف إلى قسمين أسماهما التقليدي والعضوي،‏ قبل أن يعطي تعريفًا دقيقًا ومحدّدًا للمثقّف بالدرجة الأولى.‏

‏كل تعريفات المثقّف التي سبق ذكرها تختلف في مضمونها،‏ ولكنها تشترك في كونها تعريفات هلامية وفضفاضة،‏ وتفتقر إلى الدقة والوضوح،‏ وتترك المجال مفتوحًا لأي أحد لكي يرى نفسه هو الشخص المعني بهذا التعريف أو ذاك،‏ وتعبّد الطريق أمام من لا يبالي بالوسيلة ويضع الغاية نصب عينيه،‏ وليس بحاجة إلى المنطق والتعريف الواضح إذا كان يستطيع ارتداء هذا المصطلح الفضفاض أمام جماهير تصفّق له دون أن تعرف معنى هذا المصطلح.‏