من هو المثقّف؟
إذا استوقفنا أحدًا من المارة في الشارع وسألناه أن يدلّنا على شخص مثقّف، فعلى الأغلب أنه سيدلّنا على صاحب المكتبة التي في الركن المنسي من حيّهم، والذي يمضي يومه في قراءة روايات جورج أورويل وفي التفكير في سبب انقراض الديناصورات.
أو ربما سيدلّنا على جاره الذي غالبًا ما يظهر في لقاءات بصفته «مفكرًا» أو «مهتمًا بالشأن العام»، مرتديًا بدلة رسمية ومتحدثًا بلغة عربية فصيحة لا تخلو من بعض المصطلحات الإنجليزية، ليعطي رأيه بخصوص مستجدات الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ويقيّم الشخصيات العامة ويصنّفها إلى صالح وطالح.
كل ذلك سيثير الفضول لمعرفة سرّ هذا المصطلح الذي يحمله الكثيرون بفخر على أكتافهم كرتبة عسكرية تعطيهم كل هذه الأضواء والمنابر الإعلامية، وسيتحتّم علينا أن نغوص في المعاجم اللغوية وأكوام من التعريفات لكي نتعرّف على هذه الشخصية، ولنرى ما إذا كان مصطلح «المثقّف» له تعريف واضح ومحدّد، أم أنه مصطلح مطاطي آخر كالكثير من المصطلحات التي يتم تداولها يوميًّا.
كانت العرب تسمّي عملية تسوية الرماح وتقويم اعوجاجها بتَثْقِيف الرماح، نسبةً إلى الأداة المستعملة في ذلك، والتي تسمّى الثِّقاف.
ومع مرور الوقت تحوّل المصطلح من وصف مادي إلى وصف معنوي، فبدؤوا بإطلاقه على من يعتبرونه من وجهة نظرهم حاذقًا وفطنًا، كأن يقولوا «ثقِف فلان»، أي صار حاذقًا فطنًا، وأن يقولوا «ثقِف الحديث»، أي فهمه بسرعة واستوعبه جيدًا.
ومع انتهاء عصر تسوية الرماح واقتراب حلول عصر تخصيب اليورانيوم، عرّف عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي الثقافة على أنها هي المركّب الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقانون، والعادات، وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في جماعة.
وتوالت بعد ذلك التعريفات المختلفة للمثقّف من كل حدب وصوب، فعرّفه ريجيس دوبريه على أنه الشخص الذي يُدلي بدلوه في المجال العمومي، ويعلن للملأ آراءه الخاصة، وعرّفه سيمور مارتن ليبست على أنه من يبدع ويوزّع ويمارس الثقافة، أي العالم الرمزي الخاص بالإنسانية، والذي يتضمن العلم والفن والدين، وعرّفه ألبير كامو على أنه شخص يراقب عقله نفسه، بينما أخذ جان بول سارتر منعطفًا آخر بتعريفه للمثقّف على أنه الشخص الذي يتدخّل فيما لا يعنيه.
أما أنطونيو غرامشي فتجاوز العتبة وقفز فورًا إلى تقسيم المثقّف إلى قسمين أسماهما التقليدي والعضوي، قبل أن يعطي تعريفًا دقيقًا ومحدّدًا للمثقّف بالدرجة الأولى.
كل تعريفات المثقّف التي سبق ذكرها تختلف في مضمونها، ولكنها تشترك في كونها تعريفات هلامية وفضفاضة، وتفتقر إلى الدقة والوضوح، وتترك المجال مفتوحًا لأي أحد لكي يرى نفسه هو الشخص المعني بهذا التعريف أو ذاك، وتعبّد الطريق أمام من لا يبالي بالوسيلة ويضع الغاية نصب عينيه، وليس بحاجة إلى المنطق والتعريف الواضح إذا كان يستطيع ارتداء هذا المصطلح الفضفاض أمام جماهير تصفّق له دون أن تعرف معنى هذا المصطلح.