المغرب بين صندوق الاقتراع ومفاتيح القرار
ماذا لو اختُزل التنافس السياسي في حزب إسلامي المرجعية وآخر ليبرالي رأسمالي؟ لنفترض، من باب التجربة الفكرية، أن المغرب لم يعد يعرف في تنافسه السياسي سوى حزبين: أحدهما يستمد خطابه من المرجعية الإسلامية، والآخر يدافع عن الليبرالية الاقتصادية وحرية السوق. يتناوب الحزبان على الحكومة، ويتواجهان في الانتخابات، ويَعِد كل منهما المغاربة بطريق مختلف إلى المستقبل. السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل معرفة الفائز هو: هل يكفي تغيير الحزب الحاكم لتغيير موازين القرار في البلاد؟
قد يبدو هذا السؤال افتراضيًا، لكنه يضع اليد على مسألة أعمق من عدد الأحزاب وبرامجها: العلاقة بين الشرعية الانتخابية، والسلطة الدستورية، والنفوذ الاقتصادي، وحدود المسؤولية السياسية.
في الولايات المتحدة، غالبًا ما يُقدَّم التنافس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بوصفه نموذجًا للثنائية الحزبية، وإن كانت التجربة الأميركية نفسها أكثر تعقيدًا من اختزالها في لونين سياسيين. أما نقل هذه الثنائية إلى المغرب، فليس مجرد استبدال أسماء بأسماء؛ إذ إن لكل بلد هندسته الدستورية وتاريخه وموازين القوى التي تشكّلت داخله.
ينص الدستور المغربي على أن الإسلام دين الدولة، ويمنح الملك، بصفته أمير المؤمنين، اختصاصات دينية محددة، كما يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. وفي الوقت نفسه، يجعل من الحكومة مؤسسة تمارس السلطة التنفيذية، ومن البرلمان سلطة تشريعية تتولى التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العامة. نحن، إذن، أمام بنية دستورية لا يمكن فهمها من خلال صناديق الاقتراع وحدها، ولا يجوز أيضًا تجاهل ما تمنحه الانتخابات من شرعية وما تفرضه من مسؤولية.
هنا تظهر المسافة بين امتلاك الحكومة والقدرة على تغيير السياسات. فالحزب الذي يصل إلى السلطة لا يرث بلدًا خاليًا من المصالح؛ إنه يجد مؤسسات قائمة، وقواعد اقتصادية، وشبكات نفوذ، والتزامات سابقة، ومراكز قرار تتفاوت اختصاصاتها. ولا يعني الاعتراف بهذا التعقيد افتراض وجود جهة خفية واحدة تدير كل شيء من وراء الستار. إنما يعني أن السياسة لا تُقرأ من خلال الوجوه التي تظهر أمام الكاميرات فقط، بل من خلال معرفة من يقرر، وضمن أي صلاحيات، وبأي آليات يمكن مساءلته.
ولذلك فإن عبارة «الدولة العميقة»، حين تُستعمل بلا تحديد أو دليل، قد تتحول من مفهوم يثير أسئلة مشروعة إلى تفسير جاهز لكل إخفاق. الأجدى هو تفكيك السؤال نفسه: أين تنتهي صلاحيات الحكومة وتبدأ صلاحيات المؤسسات الأخرى؟ كيف تُتخذ القرارات الكبرى؟ ما حجم الرقابة البرلمانية الفعلية؟ وكيف يستطيع المواطن معرفة الجهة المسؤولة عن قرار أثّر في حياته، بدل أن يظل يتنقل بين المؤسسات بحثًا عن عنوان للمساءلة؟
وليس الاقتصاد بعيدًا عن هذه الأسئلة. فقد أشار تقرير للبنك الدولي صدر عام 2026 إلى أن الاستثمار الخاص في المغرب ما زال دون إمكاناته، وأن خلق فرص الشغل لم يواكب التحولات الديمغرافية، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب والنساء. هذه ليست مسألة تقنية تخص الخبراء وحدهم؛ إنها امتحان سياسي لأي حكومة، مهما كانت مرجعيتها. فحين يُعلن عن مشاريع واستثمارات كبرى، لا يكفي أن تُقاس النتائج بحجم الأموال المرصودة أو بعدد المنشآت التي افتُتحت، بل ينبغي أن يُسأل: كم فرصة عمل مستقرة خُلقت؟ ما أثر الاستثمار في المناطق الأقل استفادة؟ وهل اتسعت المنافسة الاقتصادية، أم بقيت الفرص موزعة على نحو لا يستطيع المواطن العادي فهم قواعده؟
الحزب ذو المرجعية الإسلامية لا يثبت عدالة مشروعه بمجرد استحضار الدين في خطابه؛ إنما يُمتحن في عدالة السياسات التي يدافع عنها، وفي أثرها على الفئات التي تقول إنها تمثلها. والحزب الليبرالي لا يثبت إيمانه بحرية السوق بمجرد تمجيد المبادرة الخاصة؛ بل يُمتحن بقدرته على حماية المنافسة، والحد من الامتيازات غير المبررة، وضمان ألا تتحول الحرية الاقتصادية إلى حرية لفئة محدودة في مقابل عجز الآخرين عن دخول السوق.
المشكلة لا تُحلّ بتفضيل شعار على آخر، ولا بتوزيع البراءة والإدانة وفق الهوية الأيديولوجية. قد تتغير لغة الحكومة من العدالة الاجتماعية إلى تحرير الاقتصاد، أو من القيم إلى الكفاءة، بينما تبقى أسئلة توزيع الفرص والسلطة والثروة معلّقة. وعندئذ يصبح التنافس السياسي أقرب إلى تداول الخطاب منه إلى تداول القدرة على إحداث تغيير ملموس.
ليس المطلوب، إذن، أن نبحث عن حزب مثالي لا وجود له، ولا أن نجعل كل إخفاق دليلًا على مؤامرة لا يمكن التحقق منها. المطلوب أن تكون السلطة قابلة للفهم والمحاسبة، وأن تكون المسؤوليات واضحة، وأن يستطيع الناخب مقارنة الوعود بالنتائج، وأن يجد في المؤسسات ما يمكّنه من معرفة من اتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته.
في نهاية المطاف، قد يتنافس حزبان على الحكومة، وقد يتبدل الخطاب والبرنامج والوجوه. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتجاوز السياسة سؤال: من فاز؟ إلى سؤال أصعب: ما الذي يستطيع الفائز تغييره فعلًا، وما الذي لا يستطيع تغييره، ولماذا؟ فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإمكان تغيير من يحكم، بل أيضًا بقدرة المواطنين على معرفة كيف يُصنع القرار، ومَن يستفيد من نتائجه، ومَن يُسأل حين لا تصل الوعود إلى حياتهم.