من يحتكر التكنولوجيا يمتلك النفوذ
لم تعد القوة في عالم اليوم حكرا على الدول التي تمتلك أكبر الجيوش أو أضخم الترسانات العسكرية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بمن يمتلك التكنولوجيا القادرة على إدارة المعلومات وتأمين الاتصالات وتحليل البيانات والتحكم في البنية الرقمية التي تعتمد عليها المؤسسات الحيوية. وفي ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد الشركات التكنولوجية الكبرى مجرد كيانات اقتصادية تسعى إلى المنافسة وتحقيق الأرباح، بل أصبحت بعض خدماتها جزءًا من منظومة الأمن القومي لدول عديدة، بما يثير تساؤلات جوهرية حول حدود نفوذها وقدرتها على التأثير في القرارات الاستراتيجية.
وتكشف التطورات المرتبطة باستخدام أوكرانيا لخدمات الاتصالات الفضائية التي توفرها شركات خاصة عن جانب مهم من هذا التحول. فعندما تعتمد القوات المسلحة على شبكة اتصالات فضائية في تبادل البيانات وتنسيق العمليات، يصبح استمرار الخدمة عنصرًا مؤثرًا في قدرتها على العمل. وإذا طرأ تغيير على شروط إتاحة هذه الخدمة، فقد تنعكس آثاره على الأداء الميداني، وفقًا لطبيعة المهام ومدى توافر البدائل. وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة التجارية بين الشركة والعميل، لتصبح مرتبطة بسؤال أوسع يتعلق بمدى قدرة الدولة على الاحتفاظ باستقلال قرارها عندما تعتمد على بنية تكنولوجية لا تديرها بنفسها.
ولا يعني ذلك أن الشركات باتت تحل محل الدول أو أنها أصبحت قادرة على التحكم منفردة في نتائج الحروب، فالقوة العسكرية تظل نتاج مجموعة معقدة من العوامل، تشمل الموارد البشرية والقدرات الصناعية والتحالفات السياسية والجغرافيا والاستعداد العملياتي. لكن ما تغير هو أن امتلاك بعض الموارد الرقمية الحيوية قد يمنح الشركات قدرة على التأثير في الظروف التي تعمل فيها المؤسسات العسكرية، وهو نفوذ لا يستند بالضرورة إلى سلطة سياسية رسمية، وإنما إلى الموقع الذي تحتله هذه الشركات داخل البنية التكنولوجية الحديثة.
وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في معالجة المعلومات. فالجيوش الحديثة تتعامل مع كميات ضخمة من البيانات الواردة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار ومصادر الاستخبارات المختلفة. وتتيح الأنظمة الذكية تحليل جانب من هذه البيانات بسرعة كبيرة، واكتشاف أنماط يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، وتقديم معلومات تساعد صناع القرار على فهم الموقف. غير أن هذه القدرات تعتمد بدورها على توافر الاتصالات والطاقة والحوسبة والبرمجيات، وهي موارد قد تكون مملوكة لشركات خاصة أو خاضعة لإدارتها.
وبذلك، تتشكل سلسلة مترابطة من الاعتماد التكنولوجي؛ تبدأ بجمع البيانات، ثم نقلها وتخزينها ومعالجتها، وتنتهي باستخدام نتائج التحليل في اتخاذ القرار. وإذا تعطلت إحدى الحلقات الأساسية في هذه السلسلة، فقد تتأثر كفاءة المنظومة بأكملها. ومن هنا لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره برنامجًا منفصلًا قادرًا على تحقيق التفوق بمفرده، بل باعتباره جزءًا من بنية متكاملة تتطلب تأمينًا مستمرًا وقدرة على الاستمرار في ظروف الأزمات.
وتزداد حساسية المسألة عندما تتركز الخدمات الأساسية في أيدي عدد محدود من الشركات. فغياب البدائل قد يضع المؤسسات المستخدمة أمام خيارات صعبة إذا تغيرت السياسات التجارية أو ظهرت خلافات تعاقدية أو فُرضت قيود قانونية أو سياسية على الخدمة. وقد تصبح تكلفة الانتقال إلى مزود آخر مرتفعة، ليس فقط من الناحية المالية، بل أيضًا بسبب الحاجة إلى إعادة بناء الأنظمة وتدريب الأفراد وضمان توافق التقنيات المختلفة. وفي مثل هذه الظروف، تتحول التبعية التكنولوجية من مسألة إدارية إلى تحدٍ استراتيجي يمس استقلال القرار الوطني.
ولا تقتصر المخاطر على احتمال انقطاع الخدمات، بل تشمل أمن البيانات وسريتها وسلامتها. فاعتماد المؤسسات على الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية يثير أسئلة بشأن مكان تخزين المعلومات، والجهات المخولة بالوصول إليها، ومدى قدرة المستخدم على استعادة بياناته أو نقلها إلى بيئة أخرى. كما أن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتعرض للتلاعب بمدخلاتها أو استغلال ثغراتها أو الاعتماد على معلومات غير دقيقة. ولذلك فإن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي وحده لضمان الأمن؛ إذ يجب أن يقترن بالقدرة على مراقبتها واختبارها والتحقق من موثوقيتها وإدارة المخاطر المرتبطة بها.
من هنا تبرز أهمية مفهوم السيادة الرقمية، الذي لا يعني بالضرورة أن تنتج الدولة جميع مكونات التكنولوجيا محليًا، وإنما أن تمتلك القدرة على التحكم في قراراتها الرقمية الحيوية، وألا تكون خياراتها الاستراتيجية مرهونة بمورد واحد لا تستطيع الاستغناء عنه. ويتطلب ذلك تنويع مصادر الخدمات الأساسية، وبناء قدرات وطنية في مجالات الاتصالات والأمن السيبراني وتحليل البيانات، ووضع خطط واضحة لاستمرارية العمل عند تعطل الأنظمة أو تغير شروط استخدامها. كما يتطلب صياغة عقود تضمن حقوق المؤسسات المستخدمة، وتحدد مسؤوليات الشركات، وتضع ضوابط للقرارات التي قد تكون لها انعكاسات على الأمن القومي.
وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة هذا التحدي لا تستلزم الانغلاق التكنولوجي أو رفض التعاون مع الشركات العالمية. فالابتكار يتطلب تبادل الخبرات والاستفادة من الأسواق المفتوحة، كما أن تطوير بنية رقمية متكاملة يحتاج إلى استثمارات ضخمة ومعرفة متخصصة. لكن الانفتاح لا ينبغي أن يتحول إلى اعتماد غير محسوب، كما أن الاستفادة من التكنولوجيا الأجنبية يجب أن تقترن بقدرة مؤسسية على تقييم المخاطر والتفاوض بشأن الشروط وضمان وجود بدائل عملية.
إن التحدي الحقيقي أمام الدول في عصر الذكاء الاصطناعي ليس مجرد امتلاك أحدث التقنيات، بل فهم طبيعة القوة التي تنتجها، وتحديد حدود الاعتماد عليها، وضمان ألا تتحول الخدمات التي تعزز قدراتها إلى نقاط ضعف تهدد استقلالها. فالشركات التكنولوجية قد لا تصدر الأوامر إلى الجيوش، لكنها تستطيع، بحكم موقعها داخل البنية الرقمية، التأثير في بعض الشروط التي تعمل في ظلها هذه الجيوش.
وفي عالم تتزايد فيه أهمية البيانات والاتصالات والخوارزميات، لم تعد السيادة الوطنية مسألة جغرافية أو عسكرية فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضًا بالقدرة على تأمين البنية التكنولوجية التي تستند إليها الدولة الحديثة. ومن يمتلك القدرة على تشغيل هذه البنية وحمايتها وتوفير البدائل لها، يمتلك مساحة أوسع من الاستقلال في اتخاذ القرار. أما الدولة التي تعتمد على التكنولوجيا من دون أن تمتلك القدرة على إدارة مخاطرها، فقد تجد نفسها أمام شكل جديد من التبعية، لا تفرضه الحدود أو القوة العسكرية المباشرة، بل تفرضه شروط الوصول إلى التكنولوجيا والتحكم في مواردها الحيوية.