"قلق السعي إلى المكانة"
خالد رجل بسيط في أواخر الثلاثينات من عمره، يشتغل كموظف في شركة مشهورة، ويعيش حياة سعيدة في بيت جميل وسط المدينة برفقة زوجته وولديه الاثنين. كان يشعر بالهناء والرضا في حياته إلى أن جاء اليوم الذي قلب حياته رأساً على عقب. في أحد الأيام بعد عودته من عمله تلقى دعوة من “عمر” زميل قديم له في الثانوية لحضور حفل لمّ شمل في منزله. تردد خالد كثيرا في البداية لكنه قرر أخيرا الذهاب إلى الموعد برفقة زوجته.
عند وصوله صُدم خالد لضخامة منزل زميله ومدى أناقته، كما أنه يعيش في حي راقٍ لا تقطنه إلا الأسر المترفة. وفوجئ خالد بالمنصب الكبير الذي يتقلده عمر كمدير لشركة كبيرة وناجحة، إضافةً إلى امتلاكه ناديا للغولف وآخر للسباحة. وفي ذلك اليوم شعر خالد بإحساس غريب، لم يعرف هل هو إعجاب بإنجازات زميله أم غيرة، لكنه فهم بعد ذلك أنه كان حسداً، فرغم حياته البسيطة كان خالد سعيدًا برفقة أسرته، لكنه لم يعد يعرف للسعادة طعما منذ ذلك اليوم.
إن كنت تعتقد عزيزي القارئ بأن هذه مجرد قصة من نسج الخيال، دعني أخبرك أنها ليست كذلك. فكثيرا ما نتعرض في حياتنا لمثل ما حدث لخالد. نكون في هناء وراحة بال، إلى أن نلتقي بأحد معارفنا أو زملائنا القدماء، فندخل لا شعوريا في حلقة مفرغة من المقارنات، وأسباب حدوث هذا الأمر هي ما يتحدث عنه آلان دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة".
الكتاب الصادر عام 2017 ينتمي إلى التصنيف الفلسفي، لكنه لا يخلو من تحليلات علم النفس والاجتماع. يحاول الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون أن يبحث في الأسباب التي تجعلنا نتطلع دائما لتقلد مكانة في المجتمع، ولنيل تقدير الآخرين وحبهم، حتى لو كان ذلك أحيانا على حساب رغباتنا.
يعرف آلان دو بوتون في بداية الكتاب قلق المكانة بأنه "قلق خبيث إلى حد يجعله قادرا على إفساد مساحات شاسعة من حياتنا، يساورنا خشية فشلنا في مجاراة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا، وخشية أن يتم تجريدنا نتيجة لهذا الفشل من شرف المنزلة والاعتبار". ويتضح من تعريفه هذا أن قلق المكانة يمكن أن يساور أي شخص بغض النظر عن مستواه المعرفي أو الاجتماعي.
في تاريخ موجز للمكانة، كان الإنسان في عصور ما قبل الثورة الصناعية لا يهتم لشيء باستثناء حصوله على قوته اليومي والاسترخاء بعد يوم من العمل المضني في حرث الأرض. وخلال العصور الوسطى والحديثة المبكرة، كان أغلب سكان أوروبا ينتمون إلى طبقة الفلاحين الذين كانوا يعانون الفقر الشديد، ونقص التغذية والبرد، والهلع طوال حياتهم. وكانت أمراض كثيرة منتشرة بينهم، كشلل الأطفال والجذام وقرحة المعدة والسل وأمراض أخرى، وغالبا ما كانوا يموتون قبل أن يتموا الأربعين عاما. ولهذا لم يهتموا كثيرا بمكانتهم في العالم، وقليلون منهم من طمحوا إلى الثروة والإنجازات.
بيد أن الحياة تغيرت تماما مع مطلع القرن الثامن عشر، حيث بدأ الناس في اعتماد أساليب جديدة في الزراعة، كالزراعة بالتناوب، واتباع الطرق العلمية في تربية المواشي، إضافة إلى دمج الملكيات الصغيرة. وتضاعفت القوة الإنتاجية الزراعية في بريطانيا ما بين عام 1700 و1820. وأدى هذا التطور إلى تحرير رأس المال والقوة العاملة واستثمارهما في الصناعة والتجارة.
تزايد عدد السكان في المدن البريطانية بفعل الثورة الصناعية، كما انتقلت الثورة إلى الولايات المتحدة ودول أخرى. وغيرت حرب الاستقلال الأمريكية والثورة الفرنسية وما نتج عنهما من قيم جديدة كالمساواة والعدالة، الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى نفسها.
المساواة تربة خصبة للحسد، لم يعد التعليم محصورا على الطبقات العليا، وصار بإمكان أي شخص، حتى لو كان ينحدر من خلفية متواضعة، أن يحصل على تعليم مناسب ووظيفة. لكن هذه المساواة جعلت الإنسان دائم التطلع إلى ما هو أفضل. وعيب الرأسمالية أنها توهم الإنسان بإمكانية نيله السعادة إذا ما اشترى أكثر. فيصير الإنسان لا يرضى بما لديه بالفعل، ويتطلع لما يملكه جاره أو قريبه أو زميله. عن هذه المسألة يقول دو بوتون: "إننا نحسد فقط أولئك الذين نشعر بأننا أشباه لهم، نحسد فقط أعضاء مجموعتنا المرجعية. قد نتسامح مع كل نجاح يحققه الآخرون، إلا نجاحات أندادنا المزعومين، فهي لا تُطاق".
خلاصة القول، كتاب "قلق السعي إلى المكانة" ليس دعوة من الكاتب للتخلي عن أهدافنا وطموحاتنا، وإنما هو بمثابة تذكير لنا بتقدير أنفسنا، وعدم التطلع لما يملكه الآخرون، والرضا عما نملكه بالفعل.