هل نتخذ قراراتنا بأنفسنا؟

11 October 2026
hisham.ghrayeb@me2b.center
هشام غريّب
تابع الكاتب عبر :

جلس أمام والده، وأخبره بأنه قرر دراسة الطب. ابتسم الأب بفخر، وبدأ يتحدث بحماس عن المستقبل الذي ينتظره. ابتسم الابن بدوره، لكنه شعر بشيء من التردد لم يستطع تفسيره. فمنذ طفولته، كان يسمع أن الطب مهنة مرموقة، وأن التفوق الحقيقي يعني أن يصبح طبيبًا. ومع مرور السنوات، تحوّلت رغبة العائلة إلى هدف شخصي بدا له طبيعيًا، حتى إنه لم يعد يتساءل إن كان هذا ما يريده فعلًا.

لم يُجبره أحد على اتخاذ القرار. ولم يشعر بأنه يتنازل عن حريته. بل كان مقتنعًا، إلى حد بعيد، بأنه اختار مستقبله بنفسه. لكن السؤال الذي لم يطرحه على ذاته كان: من أين جاءت هذه الرغبة أصلًا؟

هذا المشهد المتخيّل ليس بعيدًا عن حياتنا. فقد نختار مهنة، أو نتمسك بعلاقة، أو نرفض فرصة، أو نواصل طريقًا لم يعد يشبهنا، ونحن مقتنعون بأننا نتصرف وفق إرادتنا. غير أن الشعور بحرية الاختيار لا يعني بالضرورة أننا ندرك جميع العوامل التي أسهمت في تشكيله.

لا تتشكل قرارات الإنسان بمعزل عن محيطه. فمنذ الطفولة، نتعلم من الأسرة والمدرسة والمجتمع ما يستحق التقدير، وما ينبغي تجنبه، وما يُعد نجاحًا أو فشلًا. ومع الزمن، قد تصبح بعض هذه التصورات جزءًا من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم.

في نظريته المعرفية الاجتماعية، يوضح عالم النفس ألبرت باندورا أن الإنسان يتأثر ببيئته الاجتماعية، لكنه ليس مجرد متلقٍّ سلبي لتأثيراتها؛ فهو قادر أيضًا على التأمل في سلوكه وتنظيم أفعاله والتأثير في الظروف المحيطة به.

وهنا تكمن نقطة مهمة: ليس كل ما اكتسبناه من الآخرين خطأً، وليس الاستقلال أن نرفض ما تعلمناه. المسألة هي أن نتمكن من فحص هذه الأفكار، وأن نعرف أيّها نؤمن به فعلًا، وأيّها نواصل اتباعه دون مراجعة، فقد يختار شخص وظيفة مستقرة لأنه يحب طبيعتها ويجد فيها معنى. وقد يختار شخص آخر الوظيفة نفسها لأنه يخشى خيبة أمل أسرته. القرار الظاهر واحد، لكن الدافع مختلف.

يقدم الباحثان إدوارد ديسي وريتشارد رايان، من خلال نظرية تقرير المصير، إطارًا مهمًا لفهم الدافعية الإنسانية. فهما يميزان بين أشكال مختلفة من الدافعية، تتفاوت في مقدار ما يشعر فيه الإنسان بأن سلوكه صادر عن اختياره وقيمه.

ومن المهم هنا ألا نختزل المسألة في ثنائية بسيطة بين قرار "من الداخل" وقرار "من الخارج". فالإنسان يستطيع أن يتبنى قيمة تعلّمها من مجتمعه، وأن يجعلها جزءًا أصيلًا من اختياراته. كما يستطيع أن يسعى إلى هدف يبدو شخصيًا، بينما تحركه بصورة أساسية الرغبة في نيل القبول أو تجنب اللوم.

تخيّل شخصًا يرفض فرصة عمل جديدة رغم أنها تتوافق مع اهتماماته. يقول لنفسه إنه يفضّل الاستقرار، وقد يكون ذلك صحيحًا. لكن ماذا لو كان الخوف من الفشل هو العامل الأقوى في قراره؟ وماذا لو كان قد تعلّم منذ صغره أن المخاطرة دليل على التهور؟

هنا لا يكفي أن نسأله: "ماذا قررت؟". ربما يكون السؤال الأعمق: "ما الذي جعلك ترى هذا القرار بوصفه الخيار الوحيد المناسب؟".

لا تقتصر المؤثرات الخفية نسبيًا في قراراتنا على القيم والتربية. فطريقة معالجة عقولنا للمعلومات قد تؤثر أيضًا في أحكامنا.

في دراسة شهيرة نُشرت عام 1974، بيّن عالما النفس عاموس تفيرسكي ودانيال كانيمان أن البشر يستخدمون اختصارات ذهنية تساعدهم على إصدار الأحكام في ظروف عدم اليقين. وهذه الاختصارات مفيدة في كثير من المواقف، لكنها قد تقود أحيانًا إلى أخطاء منتظمة في التقدير. من أمثلتها الميل إلى تقدير احتمال وقوع حدث بناءً على سهولة تذكّر أمثلة مشابهة له. فقد يسمع شخص عن تجربة فاشلة لأحد معارفه في تأسيس مشروع، فيصبح هذا المثال حاضرًا بقوة عندما يفكر في إنشاء مشروعه الخاص. وربما يمنح تلك التجربة وزنًا أكبر مما تستحقه مقارنة بالمعلومات الأخرى المتاحة.

هذا لا يعني أن كل قرار سريع خاطئ، أو أن التفكير المطوّل يضمن الوصول إلى القرار الصحيح. لكنه يذكّرنا بأن ثقتنا في حكم معين ليست دليلًا كافيًا على أننا فحصنا جميع المعطيات.

طرح عالم النفس ليون فستنغر، في نظريته عن التنافر المعرفي، فكرة أن التعارض بين معتقدات الإنسان وسلوكه قد يولّد توترًا نفسيًا يدفعه إلى محاولة تخفيف هذا التعارض.

لنتخيل شخصًا أمضى سنوات في مهنة لم يعد يجد فيها معنى. قد يشعر بأن تغيير المسار ضروري، لكنه يكرر لنفسه أن السنوات التي استثمرها لا يمكن أن تكون قد ذهبت هباءً. وربما يبدأ بتبرير استمراره بدلًا من فحص الخيارات المتاحة أمامه.

ليس كل استمرار في قرار سابق نتيجة للتنافر المعرفي؛ فقد تكون هناك مسؤوليات مالية وعائلية حقيقية. لكن النظرية تفتح أمامنا سؤالًا يستحق التأمل: هل ندافع عن قرارنا لأنه ما زال مناسبًا، أم لأن الاعتراف بالحاجة إلى تغييره يزعزع الصورة التي كوّناها عن أنفسنا؟

إذا كانت قراراتنا تتأثر بالتربية والمعتقدات والدوافع والانحيازات المعرفية، فهل يعني ذلك أننا لا نملك حرية الاختيار؟ ليس بالضرورة. فوجود مؤثرات في القرار لا يعني غياب القدرة على التأمل أو المراجعة. والوعي بهذه المؤثرات لا يمنحنا سيطرة مطلقة على أنفسنا، لكنه قد يساعدنا على التمييز بين ما نريده، وما نخافه، وما اعتدنا عليه، وما نتوقع أن يريده الآخرون منا. ولعل البداية ليست في البحث عن قرار مثالي، بل في طرح أسئلة أكثر صدقًا:

هل يتوافق هذا الاختيار مع قيمي الحالية؟ هل أريده لأنه يمنح حياتي معنى، أم لأنني أخشى رفض الآخرين؟ ما الافتراض الذي أتعامل معه بوصفه حقيقة دون أن أختبره؟ ولو لم أكن مضطرًا إلى إثبات شيء لأحد، هل كنت سأختار الطريق نفسه؟

هذه الأسئلة لا تقدم إجابات جاهزة، ولا تحسم جميع القرارات المعقدة. لكنها تتيح لنا فرصة لفهم أنفسنا قبل أن نندفع إلى الاختيار أو نواصل الدفاع عنه.

ربما لا نستطيع أن نختار جميع الأصوات التي أسهمت في تشكيل أفكارنا، ولا الظروف التي نشأنا فيها. لكننا نستطيع أن نتعلم الإصغاء إلى تلك الأصوات، وأن نراجع ما تقوله، وأن نقرر بوعي أكبر أيّها يستحق أن يرافقنا إلى المستقبل. فالسؤال ليس فقط: هل أنا من اتخذ هذا القرار؟ بل أيضًا: إلى أي مدى أعرف الإنسان الذي اتخذه؟