انتخابات البرلمان السوري خطوة نحو البناء والتحول

18 October 2025
أول انتخابات برلمانية سورية بعد سقوط الأسد جرت في أكتوبر 2025 (وسائل التواصل)
أول انتخابات برلمانية سورية بعد سقوط الأسد جرت في أكتوبر 2025 (وسائل التواصل)
mashhoursalama45@gmail.com
مشهور سلامه
تابع الكاتب عبر :

تُعد الانتخابات البرلمانية السورية التي جرت يوم الخامس من (أكتوبر) تشرين الأول 2025 محطة سياسية بارزة في مسار التحول السوري الحديث، وتجسد محاولة جادة لإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية الانتخابية. إن إتاحة الفرصة للتنافس المحلي المحدود، في ظل الظروف الراهنة، يمثل خطوة أولى نحو بناء بيئة سياسية أكثر تنظيما،، بيئة يمكن تطويرها لاحقا باتجاه مشاركة أوسع وأكثر شمولية. 

هذه الانتخابات، في جوهرها، تعكس إرادة الدولة السورية في تثبيت أركان مؤسساتها الدستورية وتأكيد حضورها السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي، مع الحفاظ على مسار الانفتاح التدريجي المنضبط الذي يراعي خصوصية المرحلة وتحدياتها. إن النظرة المتأنية لهذه العملية الانتخابية تكشف عن جوانب إيجابية متعددة تستحق التقدير. فمجرد إجراء الانتخابات في هذا التوقيت، وبعد سنوات من التحديات الجسام، يؤكد على تصميم الدولة على استعادة عافيتها المؤسسية وتعزيز الشرعية الدستورية. هذا المسعى يمثل ركيزة أساسية لأي عملية بناء وطني مستدام. كما أن فتح الباب أمام التنافس، وإن كان محدودا، يمثل بذرة لممارسة ديمقراطية يمكن أن تنمو وتتطور مع مرور الوقت، مما يمهد الطريق لمستقبل سياسي أكثر حيوية وتفاعلاً. 

من جانب آخر، فإن مسألة تعيين ثلث أعضاء المجلس من قبل الرئيس الانتقالي، والتي قد تبدو للبعض خرقا لمبدأ الفصل بين السلطات، يمكن فهمها في سياقها الحالي كإجراء مؤقت وضروري. فالظروف الانتقالية المعقدة التي تمر بها سوريا تتطلب الحفاظ على التوازن الوطني والمؤسسي، وهو ما قد يبرر مثل هذه الإجراءات الاستثنائية لضمان الاستقرار وتجنب أي اهتزازات قد تعيق مسيرة البناء. ومع ذلك، فإن الرؤية المستقبلية، كما يشير التحليل السياسي، تتجه نحو تقليص هذا التعيين تدريجيا لصالح توسيع قاعدة الانتخاب، بما يعزز مبدأ الشرعية الشعبية ويفتح المجال أمام تمثيل أوسع لكافة المكونات السورية، وهذا التوجه يعكس وعيا بأهمية التطور الديمقراطي التدريجي والمستمر. 

تعتبر استقلالية مجلس الشعب محورا أساسيا في أي نظام ديمقراطي فعال. وفي السياق السوري، ترتبط هذه الاستقلالية بإعادة تعريف العلاقة بين السلطات الثلاث في الدستور القادم. فبينما قد لا يمنح الإعلان الدستوري الحالي صلاحيات رقابية حقيقية للمجلس، أو يتيح له مساءلة الحكومة أو الرئيس الانتقالي بصورة مباشرة، مما قد يضعف من دوره كمؤسسة رقابة وتوازن في الوقت الراهن، فإن السياق السياسي العام يشير إلى إمكانية منح المجلس صلاحيات أوسع ضمن الدستور الدائم. 

هذا التوجه نحو إصلاح بنية الدولة وترسيخ مبدأ الشفافية والمسؤولية يعد مؤشرا إيجابيا على الرغبة في تعزيز دور المؤسسات التشريعية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تشكيل لجنة دستورية داخل المجلس تكون قادرة على ترجمة هذه التطلعات إلى نصوص عملية. من المرجح أن تتكون هذه اللجنة من مزيج من أعضاء منتخبين وخبراء قانونيين مستقلين من خارج المجلس، وهو ما يضمن توازن الخبرة القانونية مع الشرعية التمثيلية. الأهم من ذلك، ينبغي أن تراعي اللجنة، في تشكيلها، التعدد الوطني السوري، بحيث تضم ممثلين عن مختلف المكونات العرقية والدينية والسياسية، في انسجام مع مبادئ المساواة والمواطنة. هذا النهج الشامل يضمن أن يكون الدستور الجديد معبرا عن إرادة وتطلعات جميع السوريين، ومؤسساً لدولة حديثة وعادلة.

أما فيما يتعلق بأولويات العمل التشريعي للمجلس الجديد، فمن المنطقي أن تبدأ بوضع نظام داخلي واضح يحدد آليات العمل والعلاقة مع السلطة التنفيذية. هذه الخطوة ضرورية لضمان سير العمل بفعالية وشفافية. يلي ذلك بحث مسألة تعديل الإعلان الدستوري، قبل الانتقال إلى صياغة الدستور الدائم الذي سيكون حجر الأساس للمرحلة المقبلة.

إن صياغة الدستور هي ذروة العملية السياسية، ولا بد أن تسبقها مرحلة تأسيسية تنضج فيها البنية المؤسسية والسياسية الكفيلة بإنجاحها. هذا التسلسل المنطقي للخطوات يعكس رؤية استراتيجية لبناء الدولة على أسس متينة. 

إن الرسائل السياسية لهذه الانتخابات واضحة في مضمونها: الدولة السورية تسعى إلى تثبيت مؤسساتها الدستورية وتأكيد حضورها السياسي أمام الداخل والخارج، مع الإبقاء على مسار الانفتاح التدريجي المنضبط. إن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بمدى قدرة المؤسسات الجديدة على ممارسة أدوارها بجدية، وبمدى الثقة التي يمكن أن تبنيها بين الدولة والمجتمع. هذه الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عملية سياسية ناجحة، وتتطلب جهدا مستمرا من جميع الأطراف.

إن الرؤية الواقعية تقتضي الإقرار بأن التحول الديمقراطي ليس حدثا مفاجئاً بل عملية تراكمية طويلة تحتاج إلى صبر سياسي وإرادة إصلاحية مسؤولة. وما جرى في انتخابات 2025 يمكن اعتباره خطوة أولى في هذا الاتجاه، قابلة للتطوير عبر إصلاحات قانونية ودستورية تدريجية تضمن الانتقال من الشكل الإجرائي إلى المضمون التمثيلي الحقيقي. 

هذا المنظور التدريجي يتيح للدولة والمجتمع التكيف مع التغيرات وضمان استدامتها. ولذلك، فإن التحدي الأكبر أمام الدولة اليوم ليس في إجراء الانتخابات بحد ذاتها، بل في إدارة ما بعدها: كيفية تفعيل المجلس ليصبح منصة حقيقية للنقاش الوطني، وكيفية تمكين القوى المجتمعية والسياسية لتكون شريكة في صنع القرار. 

ذلك هو الطريق الأقصر نحو بناء دولة المؤسسات الراسخة التي تجمع بين الاستقرار والمشاركة، وتؤسس لسوريا أكثر عدالة وتوازنا في المستقبل. إن هذا المسار، وإن كان طويلا وشاقًا، إلا أنه يمثل الأمل في بناء سوريا قوية ومستقرة، تلبي تطلعات شعبها نحو مستقبل أفضل.