الذكاء الاصطناعي شريك لعالم الرياضيات
في 8 سبتمبر 2026، أعلنت OpenAI أن نظامًا من وكلاء الذكاء الاصطناعي توصّل إلى برهان قالت إنه يحسم مسألة الوجود والنعومة لمعادلات نافييه–ستوكس، إحدى مسائل جائزة الألفية. وبعد ثلاثة أيام، قال معهد كلاي للرياضيات إن المسألة «يبدو أنها حُسمت»، لكنه أكد أن تقييم النتيجة وتحديد الفضل العلمي سيخضعان لعملية متأنية.
وبصرف النظر عن النتيجة النهائية لذلك التقييم، فإن الحدث يطرح سؤالًا يتجاوز مسألة رياضية واحدة: ماذا يحلّ بدور عالم الرياضيات عندما لا تعود الآلة مجرد أداة للحساب، بل تبدأ البحث عن البرهان نفسه؟
قبل عامين فقط، كانت الصورة مختلفة. ففي 2024 أعلنت Google DeepMind أن نظامَي AlphaProof وAlphaGeometry 2 حققا معًا مستوى يعادل الميدالية الفضية في الأولمبياد الدولي للرياضيات، بعد حل أربع مسائل من أصل ست والحصول على 28 نقطة من 42. وكان النظامان يحتاجان إلى تحويل المسائل من اللغة الطبيعية إلى لغات رياضية متخصصة، كما استغرقت عملية الحوسبة ما بين يومين وثلاثة أيام.
وبعد عام واحد تغيّر المشهد سريعًا. فقد حققت نسخة متقدمة من Gemini Deep Think مستوى الميدالية الذهبية في أولمبياد 2025، بعد حل خمس مسائل من أصل ست والحصول على 35 نقطة من 42. والأهم أنها تعاملت مباشرة مع نصوص المسائل باللغة الطبيعية، وأنتجت براهينها ضمن زمن المسابقة البالغ أربع ساعات ونصف الساعة.
لكن الأولمبياد، مهما بلغت صعوبته، يظل مسابقة صمّم البشر مسائلها وهم يعرفون أن لها حلولًا. أما الاختبار الأكثر إثارة فيبدأ عندما لا يعرف أحدٌ الحلَّ مسبقًا.
في فبراير 2026 عرضت DeepMind نظام Aletheia للبحث الرياضي. واختُبر النظام على 700 مسألة مفتوحة من قاعدة بيانات مسائل إردوش، وقالت الشركة إنه توصّل بصورة مستقلة إلى حلول لأربع مسائل مفتوحة، إلى جانب أمثلة أخرى لأبحاث أُنجزت بدرجات مختلفة من التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
كانت هذه خطوة مهمة، لكن الاختبار الأصعب جاء في سبتمبر، مع إحدى أشهر المسائل المفتوحة في الرياضيات.
تصف معادلات نافييه–ستوكس حركة الموائع مثل الماء والهواء. وعلى الرغم من أهميتها في الفيزياء والهندسة، ظل سؤال أساسي بشأن سلوك حلولها في ثلاثة أبعاد واحدًا من مسائل الألفية التي أعلنها معهد كلاي عام 2000. وبصورة مبسطة، يدور السؤال حول ما إذا كانت الحلول تبقى منتظمة دائمًا، أو أنها يمكن أن تنهار رياضيًا وتظهر فيها قيم غير محدودة خلال زمن محدود.
في سبتمبر 2026 أعلنت OpenAI أن برهانها يُظهر إمكانية نشوء تفرّد في زمن منتهٍ لحلّ يبدأ سلسًا، في ظل وجود قوة خارجية سلسة، بما يحقق أحد البدائل التي تسمح بها الصياغة الرسمية للمسألة. لكن اللافت ليس النتيجة وحدها، بل الطريقة التي أفضت إليها.
لم يعتمد النظام، وفقًا لوصف OpenAI، على نموذج واحد يحاول كتابة البرهان دفعة واحدة، بل استخدم مجموعات من الوكلاء لاستكشاف مناهج مختلفة وتبادل النتائج. وتقول الشركة إن المجموعة التي توصلت إلى نتيجة نافييه–ستوكس ضمّت نحو 10 آلاف وكيل يعملون في آنٍ واحد. ووصل الوكلاء إلى النتيجة بعد نحو 88 ساعة من إطلاق المجموعة الأولى، قبل أن تستغرق الصياغة الصورية والتحقق منها بلغة Lean نحو 17 ساعة إضافية.
ولم تخلُ القصة من جدل بشأن الأسبقية ومصدر الإلهام. فقد بدأت OpenAI تجربتها في الأول من سبتمبر بعد سماع شائعة عن تقدم في اثنتين من مسائل الألفية، وقالت لاحقًا إنها أدركت أن الشائعة كانت مرتبطة بعمل متزامن للرياضيَّيْن تريستان باكماستر وليفنت ألبوغه.
وتقرّ OpenAI بأسبقية عملهما على مسألة أويلر القسرية، فيما أثار استخدام باكماستر السابق لـCodex تساؤلات بشأن احتمال تأثير تلك التفاعلات في نظام الشركة. وتقول OpenAI إنها حققت في الأمر وخلصت إلى أن تلك المدخلات لم يكن بوسعها التأثير في النظام، بما في ذلك من خلال التدريب، وأن باحثيها ووكلاءها لم يطّلعوا على عملهما قبل نشره.
وهكذا يضيف الذكاء الاصطناعي سؤالًا جديدًا إلى البحث العلمي: كيف نحدد الأسبقية ومصدر الفكرة عندما يعمل البشر والنماذج على المشكلة نفسها؟
ومع ذلك، لا يعني إعلان OpenAI أن علينا التسليم بانتهاء المسألة ببساطة. فمعهد كلاي قال إن المسألة «يبدو أنها حُسمت»، لكنه أوضح أن عملية تقييم ما تحقق وتحديد الفضل ستكون متأنية. كما تقول OpenAI نفسها إنها لا تعتزم المطالبة بجائزة الألفية عن النتيجة.
إذا استطاع نظام ذكاء اصطناعي إنتاج برهان، ثم أمكن التحقق منه صوريًا، فهل يعني ذلك أننا أصبحنا نفهم الرياضيات الكامنة فيه؟
يستطيع التحقق الصوري التأكد من أن خطوات الاستدلال تتوافق مع القواعد المنطقية المستخدمة، لكن الرياضيات ليست مجرد قائمة من العبارات التي ثبتت صحتها. فكثير من قيمة البرهان يأتي من الفكرة التي يكشفها: لماذا كانت النتيجة صحيحة؟ وما البنية الكامنة خلفها؟ وهل يمكن استخدام الفكرة نفسها لحل مسائل أخرى؟
وهنا قد ينتقل جزء متزايد من دور عالم الرياضيات إلى اختيار الأسئلة الجديرة بالبحث، وتوجيه الأنظمة، وفهم الأفكار التي تكشفها البراهين، وربطها ببقية المعرفة، ثم تحديد السؤال التالي.
لذلك قد يكون وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «بديل لعالم الرياضيات» سابقًا لأوانه، كما أن وصفه بأنه مجرد آلة حاسبة متطورة لم يعد كافيًا.
ما يظهر أمامنا أقرب إلى شكل جديد من الشراكة. يستطيع الذكاء الاصطناعي استكشاف عدد هائل من المسارات بالتوازي، بينما يتركز جانب مهم من دور الإنسان في تحديد أهمية المشكلة، وفهم النتيجة، واستخراج الأفكار القابلة للبناء عليها.
وقد نصل إلى مرحلة تأتي فيها الآلة بالبرهان أولًا، ثم يبدأ عمل الرياضيين في فهم ما توصلت إليه وتبسيطه وربطه بالصورة الأشمل للمعرفة.
قد تسبق الآلةُ الإنسانَ إلى البرهان، لكن الرياضيات لا تنتهي عند إثبات أن العبارة صحيحة؛ فالقيمة الأعمق تبدأ عندما نفهم لماذا هي صحيحة، وماذا تفتح أمامنا من أسئلة جديدة.