الحرية الأخيرة.."تصبحين على خير يا ماما"

07 October 2026
جانب من المسرحية (وسائل التواصل)
جانب من المسرحية (وسائل التواصل)
gehadtaharizq286@gmail.com
جهاد طه
تابع الكاتب عبر :

في نهاية العرض المسرحي "تصبحين على خير يا ماما" تقرر الابنة الانتحار برضا والدتها، وتموت وهي مقتنعة تمامًا بأنها فعلت القرار الصحيح، تنتحر وحيدةً والانهزام مُحاطٌ بهَا. فمنذ نعومة أظافرها وعت أنّ الصرع هو المتحكم في حياتها، تسبّبَ في فشل زوجها، فكانت تخشى أن تأتيها النوبة وهي بين أحضان زواجها، فيراها في أسوأ حالاتها النفسية.

يبدأ عرض المسرحية، وهي من تأليف الكاتبة الأمريكية مارشا نورمان دراماتورج وإخراج نور إسماعيل؛ بفتاة تخرج من غسالة، ترتدي فستانًا يخرج منه الكثير من الأحبال والخيوط. تسليط الإضاءة الصفراء ساعد المشاهدين على الدخول في حالة الإيهام، كونها شبحًا لمجهول يبدأ من أول دقيقة في العرض. تظهر الأم بعد ذلك وتظهر منذ اللحظة الأولى بأنها شخصية معتمدة على ابنتها الوحيدة؛ فالابنة هي مصدر الأمان لها، إلى جانب أنها المسؤولة عن تنظيف وإعداد الطعام، فقد حدث تماهٍ لشخصية الأم مع شخصية الابنة بمرور سنوات العيش معًا.

تعاني شخصية الأم من بعض الأزمات التي اكتسبتها منذ أول ليلة زفافها، حيث فقدت هويتها؛ نتيجة التهميش المجتمعي وسلطته الذكورية التي قررت الزواج من قاصرٍ؛ لتتحمل مسؤولية بيتٍ وأولادٍ. مثلت الأم الصورة المثالية التي تحبذها بعض المجتمعات الرجعية؛ كونها امرأةً لا تخرج من منزلها، ولا تفعل شيئًا سوى الطهي، وفي المساء تشاهد بعض الأفلام القديمة، لا تفعل شيئًا سوى ما يريده زوجها، فمثلت الأم التأقلم مع الألم بدل التمرد عليه، فوجدت في الروتين أمنها، بل قررت تخزين أحلامها، والرقص لزوجها أو محاولة التدلل إليه، فكان الحلم والتأقلم وسيلة الدفاع لها.

جسدت الأم طوال العرض المسرحي الذاكرة الخاصة بالبيت، فهي التي امتلكت الأحداث، وهي الوحيدة التي تستطيع سردها، سواء كما حدثت أو غيَّرت في أحداثها، فلا أحد يمتلكها سواها، فهي التي رأت كافة التفاصيل: الزوج الفاشل المتسلط، ومرض ابنتها منذ نعومة أظافرها.

كسر العرض المسرحي فكرة الأمومة القادرة على الإنقاذ من الموت والهلاك؛ فالعرض المسرحي منذ أول لحظة يطرح: هل حب الأم كافٍ لإنقاذ ابنتها من قرار الانتحار؟ لتكون الإجابة في آخر لحظة بالنفي، فالصورة النمطية للحب ليست كما تبدو في أذهان الجميع؛ فالحياة ليست خريطة ثابتة يمكن للجميع السير عليها.

بينما الابنة مثلت الفكر الوجودي بأنها صاحبة القرار النهائي في وجودها، حتى في إنهاء حياتها، حيث تمتد حرية الإنسان في تصور طريق حياته، فلم يكن قرارها قرارًا عشوائيًّا بل ناتجًا عن ترتيب منظم لكافة التفاصيل التي سوف تتركها، وكتابة التعليمات، فرغم ترتيبها لكافة التفاصيل في محاولة بائسة في السيطرة على عالمها قبل رحيلها، ويظهر أيضًا في تمثيلها شعور الاغتراب رغم وجود أمها وأخيها في حياتها، رغم أنها وصلت لمرحلة لم يعد العالم قادرًا على إحداث استجابةٍ عاطفيةٍ؛ وإن غاب الصراخ والبكاء فهذا لا يعني بالضرورة غياب الألم؛ فتحول هذا الألم من حالةٍ انفعاليةٍ إلى قناعةٍ داخليةٍ.

الجحيم هم الآخرون، فرغم قدرة الابنة على اتخاذ قرارها والإقدام على الانتحار؛ فالقرار لم يكن وليد لحظة، بل تَكون عبر سنوات طويلة، من خلال معاناتها مع أمها وأبيها وأخيها، وفشل زواجها وابنها الوحيد الذي أضحى مدمنًا هاربًا منها ومن الجميع، فعاشت في قيودٍ فرضها مرض الصرع داخل جسدٍ معرَّضٍ للانهزام في أي وقت، وقيودٍ أخرى فرضها المجتمع عليها؛ وذلك يتفق كثيرًا مع فلسفة سيمون دي بوفوار.

يطرح العرض العديد من الأسئلة حول قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات مصيرية، وما هي حدود هذه القرارات؟ ومدى حدود الفكر الإنساني الذي أتى بهذا القرار؟ نحن المشاهدين نتورط منذ اللحظة الأولى في محاولة فهم ماهية الإنسان ووجوده من خلال حديث البطلة، فنرى مبادئ جان بول سارتر حول فكرة "الحرية المطلقة" وإن كانت مختلفة عن رغبة المجتمع، فحرية الابنة كانت مسؤوليتها هي بمفردها، فهما قابلا الحياة بردِّ فعلٍ مختلفٍ، الأم قررت التكيف مع الواقع، والأخرى رفضت هذه الفكرة.

قُسِّم المسرح إلى قسمين: القسم الخلفي الذي احتوى على عدد كبير من أكياس القمامة، وقد رمزت هذه الأكياس إلى الهموم التي حملاها هما الاثنان معًا على مدار السنوات الماضية، إلى جانب وجود الغسالة التي خرج منها الشبح الأول الذي مثَّل: روح الابنة التي دمرها المرض، والشبح الثاني الذي اتضح أنه ذاكرة الفتاة، بداية من زواجها لأول رجل تقدَّم لأسرتها.

يمزج العرض بين الواقعية والتعبيرية، رغم الإعداد الدرامي للأحداث لتكون قريبة من اللغة المصرية، إلا أن السياق الأساسي كما هو، ففي النص الأصلي فالبيت الذي تدور فيه الأحداث هو بيت أمريكي، مجتمع مختلف تمامًا عن الثقافة العربية، فقد حدث توازنٌ حذرٌ بين "التعريب اللغوي" و"الإبقاء على السياق" يضع العرض في منطقة وسطى، لكن إظهار حب بين الأم والابنة هو حبٌّ واحدٌ في العالم بأجمعه، فرغم اختلاف الثقافات ولكن يظل الحب هو السبيل الوحيد المختلف.

أما التجسيد التعبيري فقد اتضح من خلال وجود امتداد جسدي للفتاة، خلال شخصيتين مرئيتين للانفعالات الداخلية التي يعجز الحوار وحده عن الإفصاح عنها بالكامل، فكثيرًا من خلال الكوريغرافيا تظهر الشخصيتان المتخيلتان تضغطان على الابنة، تارة بأجسادهما أو بنظاراتهما التي تحمل بين طياتها الألم؛ وذلك ما تحاول إيصاله أنها تحمل أثقالًا جعلها تأخذ قرار الانتحار.

اهتمت المخرجة نور إسماعيل بتوضيح مدى التأثير النفسي الذي تعاني منه الابنة من خلال جعل الشخصيتان المتخيلتان متلازمتان لها، يوضحان أفكارها وأحلامها حتى قرار انتحارها، يصفان ذلك بكافة التفاصيل الممكنة، فقد جعلت مشاعر بطلتها تتحرك بين يديها.

ظهرت العديد من المشاهد المغلفة بطابع ينتمي إلى الكوميديا السوداء؛ فتظهر بعض المفارقات القاسية التي تتحدث فيها الأم عن معاناتها مع مرض ابنتها، وحياتها الروتينية مع زوجها، بجانب ذلك تعاملت المخرجة نور إسماعيل مع التابوه ألا وهو الانتحار والمرض العقلي بمنطق عرض المشكلة كما هي، ولكن بدخول بعض العبارات الساخرة التي تخفف من ثقل الموقف الذي يمر به الأبطال.

في العرض مثل الشيخ السلطة الأبوية التي تمارسها الكثير من المجتمعات ضد نسائها، فاكتسب خطابه ميزة "الحقيقة المطلقة" التي تسير على وعي المجتمع، وجاءت الابنة وذاكرتها وروحها مقابل خطاب خالٍ من المنطقية يريد إخضاعها إلى محاولة للتمرد؛ فتحول الجسد الراقص إلى فكرة السعي وراء التطهير في مواجهة القمع اللفظي.

ينتهي العرض بمحاولة من الأم بعدم استسلامها، لينتهي بها الأمر بقبول الأمر الواقع، بانتحار ابنتها، وتحيط بكافة التفاصيل التي قامت الابنة بترتيبها ومحاولة التخيل كيف يبدو الوضع الجديد بدونها، فتذهب الابنة لتنتحر وتبقى الأم في انتظار قرار يصعب على عقلها تصديقه.