دراما اليونابومبر وسيكولوجيا الإخضاع البشري
قبل أن يتحول تيد كازينسكي إلى (اليونابومبر) المرعب الذي يرسل الطرود المتفجرة، كان طالباً نابغاً في أروقة هارفارد، خضع لنحو مائتي ساعة من التحطيم السلوكي الممنهج. لم تكن تلك القصة، التي جسدها العمل الدرامي Manhunt: Unabomber""، مجرد مأساة فردية، بل هي عتبة درامية فاضحة لواحد من أكثر الملفات ظلاماً في تاريخ تقاطع العلم النفسي مع آليات السلطة. حين يتحول النابغة من طالب فذ إلى كائن منزوع المناعة الرمزية والشخصية عبر تجارب الضغط والتحطيم السلوكي، فإن السؤال الوجودي يبرز بقسوة: هل يصنع المجتمع مجرميه بوعي عبر أدواته العقابية والبحثية؟ أم أن العلاج النفسي والتجريب الممنهج تحولا من أدوات للشفاء إلى مقاصل علمية لإخضاع البشر وتفكيك مناعتهم لصالح نسق السيطرة؟
يمثل هذا التحول الفلسفي عملية انتقال كبرى في بنية الهيمنة؛ فبينما كانت الرأسمالية الكلاسيكية (الصناعية) تحتاج إلى "جسد منضبط" ليعمل في المصنع -فأقامت سجونها ومصحاتها لضبط الحركة وكبح العضويات- غادرت الرأسمالية المتأخرة (الرقمية) هذا المربع لتستهدف الروح والنفس والكائنية الأنطولوجية برمتها. لقد تحول القلق، وتشتت الهوية، والاغتراب الذاتي في هذا العصر الجديد إلى حقول استثمار مباشر لضبط الوعي وإعادة هندسته من الداخل.
لا ينطلق هذا التساؤل من فراغ نظري، بل تستند جذوره إلى وقائع صلبة وموثقة تفضح كيف استُخدمت العيادة والمختبر النفسي كأدوات لهندسة البشر وصناعة الاضطراب تحت غطاء "البحث العلمي". حين نعود إلى الوثائق الرسمية لمختبرات هارفارد بين عامي (1959م) و(1962م)، نكتشف أن اثنين وعشرين (22) طالباً من ألمع العقول الشابة قد أخضعوا لنحو مائتي ساعة من الضغط النفسي المتعمد والتحطيم الهوياتي الممنهج على يد البروفيسور هنري موراي. لم تكن تلك التجربة سوى رأس جبل الجليد في مناخ سياسي وأكاديمي أوسع؛ ففي مشروع (MKUltra) السري التابع لوكالة المخابرات المركزية (CIA)، والذي انطلق في الخمسينيات تحت إشراف "سيدني غوتليب"، جرى اختبار حدود الاحتمال البشري بالعقاقير المخدرة مثل(LSD)، والعزل التام، والصدمات الكهربائية لإحداث "محو كامل للذاكرة" وإعادة برمجة الشخصية.
لم يكن هذا المشروع معزولاً، بل امتد عضويّاً إلى كندا عبر أبحاث الدكتور "دونالد إيفان كاميرون" في جامعة ماكجيل —والتي مُوّلت سرياً من وكالة المخابرات المركزية— حيث طبّق تقنيته الشهيرة "التسيير النفسي "(Psychic Driving). في تلك التجارب، أُخضع المرضى، الذين قصدوا المصحة طلباً لعلاج اضطرابات طفيفة كالقلق والاكتئاب، لغيبوبة اصطناعية مستمرة لأسابيع، مع إجبارهم على الاستماع المتكرر لتسجيلات صوتية مصممة لتفكيك بنيتهم النفسية ومحو شخصياتهم القديمة بهدف إعادة برمجة كينونة جديدة خاضعة.
إنَّ الأثر الناجم هنا، سواء في حالة تيد كازينسكي أو آلاف الضحايا غير المتطوعين، كشف بوضوح عن قدرة المؤسسة العلمية —حين تتجرد من رادعها الأخلاقي— على هندسة اليأس وتخليق الاضطراب عمداً، لتتحول من أداة للشفاء إلى مختبر لتفكيك الإرادة البشرية وإخضاعها.
لا تكمن الخطورة الحقيقية في الجدران المغلقة لمختبرات القرن العشرين، بل في كيفية تحوير هذه الآليات الفجة إلى استراتيجيات ناعمة وشاملة تهيمن على عصرنا الحالي. وتبرز هنا تجارب عالم النفس الأمريكي "مارتن سيليجمان" حول ظاهرة "العجز المُتعلم"(Learned Helplessness) كجسر معرفي يوضح هذا الانتقال؛ فمن خلال تعريض الحيوانات لصدمات كهربائية متكررة لا تملك الفكاك منها، تفقد الرغبة في المقاومة وتستسلم تماماً للمصير المفروض عليها.
وفي هذا المربع تحديداً، طوّرت السلطة العولمية آلياتها؛ فبينما أسست الرأسمالية الكلاسيكية هيمنتها على "الإخضاع الخشن" والانضباط الفيزيائي للجسد، انتقلت الرأسمالية الرقمية عبر "اقتصاد الانتباه" إلى استثمار هذا العجز جمعيّاً. إنها لا تسعى لتقييد حركتك، بل لإغراق سيكولوجيتك بوفرة من المشتتات والأزمات المتلاحقة، مما يولد شعوراً خفياً بالعجز عن التغيير، ويدفعك للاستسلام الكامل والناعم لخوارزميات التصفح اللانهائي، ليتحول انتباهك السلوكي إلى النفط الجديد الذي يغذي نسق السيطرة.
ولا تقف البيروقراطيات والمؤسسات المحلية في هذه المعادلة موقف المتفرج، بل تعمل كـ "مقاولين من الباطن" لتمرير هذه المشاريع؛ إذ تتبنى ذات الأدوات الرقابية والخوارزمية تحت لافتات التكنو-تحديث واللحاق بالركب الرقمي. وهكذا، يُهندس هذا التحالف بين النسق العولمي ومقاوليه المحليين حالة من "العجز المُتعلم الجماعي"؛ عبر إغراق النظام الإدراكي للمجتمع بمحفزات متلاحقة وأزمات مدروسة، تُشعر الفرد بعبثية التغيير وضآلة الأثر الفردي. إن هذا التفكيك الممنهج ينتج انتهاكاً صارخاً لـ "السيادة الإدراكية" للإنسان، ويقوده في نهاية المطاف إلى مربع الاستسلام الطوعي والقبول بالوصاية الرقمية والمؤسساتية.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تسمح المنظومة الإعلامية ومنصات الإنتاج الكبرى بإنتاج وترويج سرديات تفضح خطاياها البنيوية وتعرّي آليات هيمنتها؟ إن الإجابة تكشف عن الغايات الإستراتيجية لهندسة "الاحتقان العام"؛ حيث تنتهج المنظومة الرأسمالية ما أسماه هربرت ماركوزه بـ "التسامح القمعي" وقدرتها الفائقة على "استيعاب النقد واحتوائه".
إنها تمتص الغضب الراديكالي عبر تحويله إلى منتج ترفيهي مسلّع. فعندما يشاهد المتفرج العمل الدرامي "Manhunt: Unabomber"، فإنه يمر بحالة "تطهير نفسي مؤقت"(Catharsis) يُفرغ من خلالها تبرمه وسخطه من توحش المنظومة الرقمية والتقنية؛ لتتحول الفكرة الثورية المهدِّدة، في نهاية المطاف، إلى بضاعة تدر الأرباح وتفقد فاعليتها وقدرتها على التغيير السياسي.
علاوة على ذلك، تعتمد أجهزة السلطة —بمستوييها العولمي والمحلي— على استراتيجية "الاعتراف التكتيكي بالأخطاء التاريخية"؛ لتخليق غطاء أخلاقي زائف يوحي بالشفافية والمراجعة الذاتية. بيد أن الآلية الأكثر خطورة تكمن في "فردنة الجريمة وعزلها سياقياً"؛ حيث تُعزل الخطايا البنيوية للمنظومة وتُختزل في انحرافات فردية، ليُساق وعي الجماهير نحو ربط أي نقد جذري لتوحش البنية التقنية والمؤسساتية بـ "الوصم الباثولوجي" كالجنون، والعزلة، والاعتلال النفسي. وبهذه الهندسة الخبيثة، يُحصر خيار المجتمعات بين القبول بالنسق القائم كخيار وحيد مأمون، وبين السقوط في هاوية الاغتراب والاضطراب العقلي.
على نطاق مجتمعي أوسع، تتناغم هذه الآليات السيكولوجية مع متطلبات الاقتصاد التقني المتأخر، الذي يسعى جاهدًا لتفكيك المرجعيات والروابط الصلبة كافة —كالأسرة، والدين، والهوية الثقافية المستقرة— تماماً كما جسّده السوسيولوجي زيجموند باومان في أطروحته حول "الحداثة السائلة"؛ فالفرد المعزول والمجرّد من حصانته المجتمعية هو الكائن الأسهل قياداً واستهلاكاً.
وتأكيداً لهذا الأثر البنيوي، تقدم لنا "تجربة سجن ستانفورد" الشهيرة لفيليب زيمباردو (1971م) درساً بليغاً في سيكولوجية الامتثال؛ إذ أثبتت أن البيئة الاصطناعية المحكمة وإملاءات النسق المهيمن قادرة على سحق المنظومة الأخلاقية والنفسية للأفراد الأصحاء بسرعة مذهلة. وعبر آليات "التجريد من السمات الشخصية"(Deindividuation) وصهر الهويات الفردية في أدوار سلطوية مفروضة، تحول المتطوعون إلى أدوات وظيفية عمياء تُنفذ إرادة النظام. وهو عينه ما تمارسه المنظومة الرقمية اليوم: محو الهويات الصلبة وإعادة صياغة البشر ككائنات ممتثلة تؤدي أدواراً مرسومة بدقة داخل سجنها الافتراضي الكبير.
ولا شك أنَّ الأثر المجتمعي لهذا التسييل يتبدى جلياً في الأزمات السلوكية الراهنة، وإعادة الهندسة القسرية للمنظومة القيمية؛ إذ لا يكتفي السوق بطرح الأنماط الوافدة كخيارات بديلة، بل يمارس "هندسة معيارية مقلوبة" تحول الاستثناء إلى قاعدة، بينما تُصم الهويات الصلبة المتسقة مع فطرتها كحالة "رجعية أو اعتلال" تستوجب التقويم داخل "العيادة الرقمية" عبر أدوات الإقصاء والوصم الإلكتروني.
ومن منظور سيميائي، يجري تفكيك الرموز الثقافية بوعي، وإفراغها من مضامينها الأصلية لشحنها بمدلولات مشوهة تضمن سيولة البنية المجتمعية؛ لينتهي المطاف بالفرد كائناً منزوع المناعة الرمزية —تائهًا في صراعات الهوية الوهمية، وعاجزاً بنيوياً عن تبين نسق الهيمنة الذي يستلبه— مستسلماً في النهاية لتسليع وجوده الأنطولوجي وبياناته السلوكية المستخرجة على مدار الساعة لصالح اقتصاد المراقبة.
تتوج هذه القراءة الفلسفية حقيقة مرعبة: إنَّ الإنسان المعاصر ليس بمنأى عن هندسة وعيه واضطراباته السلوكية، بل هو نتاج "مختبر بنيوي مدروس" تحولت فيه معارك الهيمنة من ضبط الأجساد وكبح حركتها الفيزيائية، إلى تسليع الوجود الأنطولوجي وصياغة الوعي ذاته.
إن العبور التاريخي من جدران العزل الخشنة في زنازين القرن العشرين ومصحاته الانضباطية، إلى التغلغل الناعم للخوارزميات خلف زجاج الشاشات، لم يكن انعتاقاً؛ بل هو ترقية تقنية لأدوات الإخضاع، حيث تحولت المراقبة من قمع خارجي إلى عقيدة استبطانية طوعية.
وأضحى هذا الانقلاب المعياري وتجريم الفطرة —برعاية النسق العولمي وتواطؤ مقاوليه المحليين— هو القربان الأخير المدفوع في أتون هذا الاستعباد الرقمي الشامل؛ لينتهي بنا المطاف جميعاً أسرى داخل عيادة الشاشات الكبرى، نمر بذات التحطيم السلوكي الممنهج الذي خضع له كازينسكي يوماً، ولكن بابتسامة امتثال طوعية.