الأوديسة بطعم كريستوفر نولان... فلسفة عميقة ورؤية جديدة

21 September 2026
 نولان يمضي في فلسفته التي صبغ بها الأوديسة بما قد يقوده إلى الفوز بالأوسكار
نولان يمضي في فلسفته التي صبغ بها الأوديسة بما قد يقوده إلى الفوز بالأوسكار
a.zakaria70@yahoo.com
عبد الرحمن محمد زكريا صديق
تابع الكاتب عبر :

الإلياذة والأوديسة قصيدتان ملحميتان شهيرتان، تُنسبان إلى شاعر اليونان القديمة هوميروس، ويعود تاريخ كتابتهما إلى نحو القرن الثامن قبل الميلاد. وتُعدان من أقدم الأعمال الأدبية التي وصلت إلينا.

تقع أحداث الإلياذة قرب نهاية حرب طروادة، وهي حصار امتد 10 سنوات فرضه تحالف من المدن اليونانية على مدينة طروادة. وتروي القصيدة أحداثاً مهمة، وتضم عدداً كبيراً من الأبطال، من أبرزهم أثينا وأفروديت وأغاممنون وأخيل ومنيلاوس وباريس وهكتور وأوديسيوس وهيلين.

في المقابل، تتبع الأوديسة رحلة عودة أوديسيوس، ملك إيثاكا، إلى وطنه بعد انتهاء حرب طروادة. وتستمر الرحلة قرابة 10 سنوات يواجه خلالها أهوالاً متعددة.

وبحسب النص، أصبح من الممكن مشاركة أوديسيوس رحلته بعدما حوّلها المخرج وكاتب السيناريو كريستوفر نولان إلى تجربة سينمائية، مستعيناً بأسماء مثل مات ديمون وتوم هولاند وآن هاثاواي وروبرت باتينسون وتشارليز ثيرون وزيندايا وسامانثا مورتون وميا جوث وجون بيرنثال لأداء الأدوار الرئيسة.

يصارع أوديسيوس، الذي يلعب دوره مات ديمون، من أجل العودة إلى وطنه، في مواجهة أمواج عنيفة يسلطها على سفنه بوسيدون (ربّ البحار في الميثولوجيا الإغريقية) الذي يسعى للثأر لنفسه ولابنه. وخلال رحلة العودة، يصطدم أوديسيوس ورجاله على إحدى الجزر بكائن الصقلوب العملاق الذي يعتدي عليهم. وفي محاولة للدفاع عن نفسه ورجاله، يفقأ أوديسيوس عين الصقلوب ويفرّ مع من تبقى من رجاله، ليسمعوا نحيب الصقلوب وهو يستنجد بوالده، الذي يتضح أنه بوسيدون.

ولا تتوقف الأحداث عند هذا الحد. إذ يصطدم أوديسيوس ورجاله على جزيرة أخرى بمجموعة من العمالقة، ما يؤدي إلى مقتل بعض الجنود. وعلى جزيرة ثالثة، يواجهون ساحرة تحول رجاله إلى خنازير. ثم ينتهي الأمر بتجرؤ رجال أوديسيوس على مراعي أبولو (ربّ الشمس في الميثولوجيا الإغريقية)، فيصطادون أحد الحيوانات على الجزيرة للحصول على طعام بعدما اشتد بهم الجوع.

وتأتي نهاية الفريق مأساوية، إذ يلقى الجميع حتفهم في عرض البحر بسبب عاصفة مدمرة، باستثناء أوديسيوس الذي ينجو بمساعدة حورية البحر كاليبسو، التي تلعب دورها تشارليز ثيرون، وتشرف على علاجه، قبل أن تتعلق به عاطفياً.

وفي خضم هذه الأحداث، تصارع بينيلوب، زوجة أوديسيوس، التي تلعب دورها آن هاثاواي، للإبقاء على عرش إيثاكا باسم الملك الغائب. ويمتلئ بيت أوديسيوس بعدد من الخطاب، يرغب كل منهم في الزواج من الملكة التي تُعد في حكم الأرملة، بهدف الوصول إلى الحكم، خصوصاً مع انتشار قصص الجيش المجهول الذي يأتي من البحر وعلى يده الخراب والدمار.

ومع تقدم أحداث الفيلم، يتكشف للمشاهد أن السنوات الأخيرة من غياب أوديسيوس لم تكن بسبب ألاعيب الأرباب أو بطش المخلوقات العملاقة، ولا بسبب زهرة اللوتس المخدرة التي قدمتها له كاليبسو وجعلته مشوش العقل والذاكرة لسنوات. بل، وفق النص، فرّط أوديسيوس في سنوات من عمره بسبب خياراته الخاطئة.

يذهب أوديسيوس إلى حرب طروادة في البداية رغماً عنه، بعد أن فرض عليه الملك أغاممنون، الذي يدين له بالولاء والطاعة، المشاركة في الحرب، وإلا وقعت إيثاكا تحت غضبه. ومع مرور الأعوام وازدياد طول مدة الحصار، يتخلى أوديسيوس عن مبدأ النبل في القتال. فأوديسيوس الذي نراه قبل حرب طروادة، يصدر صوتاً من سلاحه قبل أن يصطاد فريسة كي لا يقتلها على حين غرة، يباغت جيش طروادة وأهلها في جنح الظلام، ويخدع سينون، الذي كان يعد من أكثر رجاله وفاءً وشجاعة.

لا يطلع أوديسيوس سينون على امتلاء الحصان الخشبي، الذي وضعه اليونانيون على الشاطئ، بالجنود المنتظرين ساعة الصفر، ولا على أن انسحاب القوات كان انسحاباً وهمياً. ويشركه في الخدعة من دون علمه، إذ يتركه وحيداً إلى جانب الحصان لتأكيد فكرة انسحاب اليونانيين من الحرب.

وتنجح الخطة، وتزهق روح سينون على أثرها. ويحزن أوديسيوس، لكنه لا يندم ولا يتراجع. ويرى أن دماء سينون ستروي أرض طروادة بالنصر اليوناني في النهاية. ويتجاهل أن سينون تطوع للحرب بكامل إرادته بدلاً من سيده أنطونيوس، وكان مستعداً لبذل كل ما يلزم من أجل تحقيق النصر والمجد لأبيه ولليونان.

ولا يكتفي أوديسيوس بالغدر بسينون، بل يقف متفرجاً على فتك اليونانيين بنساء طروادة واستباحتهم لدمائهن. ولا تنجح صرخات امرأة شابة، تتوسل إلى أوديسيوس ورجاله أن يتركوها، في الإفلات من مصيرها الدموي. وتظهر أثينا (ربة الحكمة في الميثولوجيا الإغريقية، وتلعب دورها زيندايا) لأوديسيوس في صورة تلك الفتاة.

ومن هنا، يتضح للمشاهد سبب تضجر أوديسيوس عند ظهور أثينا له بهذه الصورة الوديعة بدلاً من صورتها الأصلية المهيبة، إذ يرتبط شكل الفتاة في ذهنه بأكثر الذكريات إيلاماً. وبذلك، يخلص النص إلى أن تصرفات أوديسيوس ورجال اليونان كانت السبب في إدخالهم في دوامة الخسارة والندم. فلو لم يدمر أوديسيوس طروادة بهذا الشكل، لما عاد في البحر من هذا الطريق، ولما فقأ عين الصقلوب، وبالتالي لما عانى كل هذه المعاناة.

ويضيف النص أنه لو لم يرتكب اليونانيون الأفعال نفسها بحق أهل طروادة عند سقوطها، لما انتشرت الحكاية التي حرمتهم العيش بأمن وسلام: حكاية الجيش الجرار الذي يأتي من البحر ليزهق الأرواح وينهب الممتلكات، والذي يتضح في النهاية أنه الجيش اليوناني نفسه.

ولا يعود أوديسيوس إلى وطنه، وفق النص، إلا بعد أن يتطهر من آثامه، بإلقاء نفسه في البحر على لوح خشبي بسيط، مستسلماً لقدره، ومتحملاً مسؤولية قراراته الخاطئة التي اتخذها في حق نفسه وأهله ورجاله وحتى خصومه.

ويرى النص أن فلسفة الفيلم ليست نقطة التميز الوحيدة فيه. فعلى صعيد الأداء التمثيلي، يقدم مات ديمون وآن هاثاواي أداءً متقناً، ويعكسان مشاعر متعددة، من الغضب إلى السعادة واللهفة والندم. كما ينجحان في إظهار تقدمهما في العمر 20 عاماً خلال أحداث القصة.

ويشير النص إلى أن كريستوفر نولان، أحد أبرز مبدعي هوليوود في الألفية الجديدة، يمضي في فلسفته التي صبغ بها الأوديسة، بما قد يقوده إلى الفوز بأوسكار أفضل سيناريو بعد خسارته ثلاث مرات مع أفلام تذكار (2000) واستهلال (2010) وأوبنهايمر (2023).