غزة... مصدر للشرعية واختبار لها في آن واحد
في السياسة، قد تصنع التضحيات لحظة تاريخية، لكنها لا تحدد وحدها ما سيأتي بعدها. فالفرق بين أن تصبح التضحيات أساسًا لمستقبل جديد أو فصلًا آخر من الماضي المرير تحدده القدرة على بناء المؤسسات وتحويل المسؤولية إلى إنجاز.
إذا سارت التوقعات المتفائلة نحو التوصل إلى تسوية في غزة والانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، فلن تكون غزة مجرد ملف ينتظر من يديره، بل قد تتحول إلى أهم اختبار سياسي فلسطيني في المرحلة المقبلة. فمن سيتولى مسؤوليتها لن يرث أرضًا دفع فيها الثمن الأكبر وتحتاج إلى إعمار فحسب، بل مجتمعًا أنهكته الحرب وينتظر إجابات عن الأمن والسكن والعمل والعدالة ومستقبل الحكم.
يتمثل التحدي الحقيقي في الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، ثم إعادة الإعمار، بالتوازي مع بناء إدارة قادرة على تقديم الخدمات بكفاءة وشفافية. فإعادة بناء غزة لا تقتصر على الحجر والبنية التحتية، بل تشمل الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة واستعادة ثقة المواطن. ومن هنا، لن يكون السؤال الأهم من سيحكم غزة، بل من يستطيع أن يبنيها.
هنا تبدأ المعادلة الصعبة. من ينجح في إدارة غزة وإعادة بنائها، ويحوّل الرؤية إلى واقع يلمسه الناس، سيكتسب شرعية ومكانة سياسية يصعب أن تصنعها الخطابات وحدها. فالشرعية في مراحل ما بعد الحروب لا تُمنح بالإرث السياسي أو التنظيمي فقط، بل بالقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية وإدارة الموارد وبناء مؤسسات فاعلة قادرة على الاستمرار.
كما أن النجاح في غزة لن يبقى محصورًا داخلها، بل قد يشكل حجر أساس لمشروع وطني فلسطيني سياسي واستراتيجي أوسع، يعيد الاعتبار إلى قدرة المؤسسات على تحويل الأهداف السياسية إلى نتائج ملموسة.
في المقابل، من يفشل في اختبار غزة قد يخسر من شرعيته بقدر ما كان يمكن أن يكتسب منها، خصوصًا أمام مجتمع دفع ثمنًا استثنائيًا، ولن تكون الوعود وحدها كافية لإقناعه.
إضافة إلى ما سبق، سيعكس النجاح أو الفشل مستوى القدرة على قراءة التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية واستثمار ما قد تتيحه من فرص. فهذه التحولات قد تفتح نوافذ سياسية جديدة، لكنها لا تضمن للجميع القدرة على المرور منها. إذ يحتاج استثمارها إلى مؤسسات فاعلة، ورؤية سياسية واضحة، وقدرة على تحويل الدعم والفرص المتاحة إلى مكاسب حقيقية قابلة للقياس والاستمرار.
بكلمات مختصرة، قد تكون غزة في المرحلة المقبلة أكثر من قضية إعمار أو إدارة. إنها اختبار للقدرة على الانتقال من المطالبة بالشرعية إلى بنائها بالفعل، ومن إدارة الأزمة إلى بناء نموذج للحكم. وفي هذا الاختبار، لن يكون السؤال فقط من يتولى المسؤولية، بل ماذا يستطيع أن يحقق من خلالها.